المغني لابن قدامة - ت التركي
النَّاسِ! وفيه فضلٌ عظيمٌ لِمَن قوِيَ على القيامِ به، وأداءِ الحقِّ فيه، ولذلك جعلَ اللَّه فيه أجْرًا مع الخطأِ، وأسْقَطَ عنه حُكْمَ الخطأِ، ولأنَّ فيه أمرًا بالمعروفِ، ونُصْرَةَ المَظْلومِ (٧)، وأداءَ الحقِّ إلى مُستحقِّهِ، ورَدًّا للظالِمِ عن ظُلْمِه، وإصْلَاحًا بينَ النَّاسِ، وتَخليصًا لبعضِهمْ من بعضٍ، وذلك مِن أبْوابِ القُرَبِ؛ ولذلك تَولَّاه النَّبِيُّ ﷺ، والأنبياءُ قبلَه، فكانوا يَحكُمونَ لِأُمَمهم، وبَعثَ عليًّا إلى اليمنِ قاضِيًا (٨)، وبَعثَ أيضًا مُعاذًا قاضِيًا (٩).
وقد رُوِيَ عنِ ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال: لأنْ أجلِسَ قاضيًا بين اثنيْنِ، أحبُّ إليَّ مِن عِبادةِ سبعينَ سنةً (١٠). وعن عُقبةَ بنِ عامرٍ، قال: جاء خَصْمانِ يَختصِمانِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقال لي (١١): "اقْضِ بَيْنَهُمَا". قلتُ: أنتَ أوْلَى بذلك. قال: "وَإنْ كَانَ". قلتُ: علامَ أقْضِى؟ قال: "اقْضِ، فَإِنْ أصبْتَ فَلَكَ عَشرَةُ أُجُورٍ، وإِنْ أَخْطَأْتَ فَلَكَ أجْرٌ وَاحِدٌ". رواه سعيدٌ في "سُننِه" (١٢).
فصل: وفيه خَطرٌ عظيمٌ ووِزْرٌ كبيرٌ لِمَن لم يُؤَدِّ الحقَّ فيه، ولذلك كان السَّلفُ، [﵏] (١٣)، يَمْتَنِعونَ منه أشدَّ الامْتِناعِ، ويَخْشَون على أنْفُسِهم خَطَرَه. قال خاقانُ بنُ عبدِ اللهِ: أُريدَ أبو قِلابةَ على قضاءِ البصرَةِ، فهَرَبَ إلى اليَمامَةِ، فأُرِيدَ على