المغني لابن قدامة - ت التركي
الشافِعِىُّ إذا عَلِم أنَّها مَسَّتْه كُلُّها، وإِنْ علِمَ أنَّها لم تَمَسَّه كُلُّها، لم يَبَرَّ. وإِنْ شَكَّ، لم (٥) يَحْنَثْ فى الحُكْمِ؛ لأَنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (٦). وقال النَّبِىُّ ﷺ فى المريضِ الذى زَنَى: "خُذُوا لَهُ عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ، فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً" (٧). ولأنَّه ضَرَبَه بعشرةِ أسْواطٍ، فبَرَّ فى يَمِينِه، كما لو فَرَّقَ الضَّرْبَ. ولَنا، أَنَّ مَعْنَى يَمِينِه أَنْ يَضْرِبَه عشرَ ضَرَباتٍ، ولم يضْرِبْه إِلَّا ضَرْبَةً واحِدَةً، فلم يَبَرَّ، كما لو حَلَفَ ليَضْرِبَنَّه عشرَ مَرَّاتٍ بسَوْطٍ، والدَّليلُ على هذا أنَّه لو ضَرَبه عشرَ ضَرَباتٍ بسَوْطٍ واحِدٍ، بَرَّ (٨)، بغيرِ خلافٍ، ولو عادَ العددُ إلى السَّوْطِ، لم يَبَرَّ بالضَّرْبِ بسَوْطٍ واحِدٍ، كما لو حَلَف لَيَضْرِبَنَّه بعَشَرَةِ أسْواطٍ، ولأنَّ السَّوْطَ ههُنا آلَةٌ أُقيمَتْ مُقامَ المَصْدَرِ، وانْتَصَبَ انْتِصابَه، فمَعْنَى كلامِه، لأَضْرِبَنَّه عشرَ ضَرَباتٍ بسَوْطٍ. وهذا هو المَفْهُومُ من يَمِينِه، والذى يَقْتَضِيهِ لُغَةً، فلا يَبَرَّ بما يُخالِفُ ذلك. وأمَّا أيُّوبُ، ﵇، فإِنَّ اللَّه تعالى أرْخَصَ له رِفْقًا بامْرَأَتِه، لِبِرِّها به، وإحْسانِها إليه، ليجْمَعَ له بينَ بِرِّه فى يَمِينِه ورِفْقِه بامْرَأَتِه، ولذلك امْتَنَّ عليه بهذا، وذكرَهُ فى جُمْلةِ ما مَنَّ عليه به، من مُعافاتِه إيَّاه من بلائِه، وإخْراجِ الماءِ له، فيَخْتَصُّ هذا به، كاخْتِصاصِه بما ذكرَ معه، ولو كان هذا الحكمُ عامًّا لكُلِّ أحَدٍ (٩) لما خَصَّ (١٠) أيُّوبَ بالمِنَّةِ عليه به (١١). وكذلك المريضُ الذى يُخافُ تَلَفُه، أُرْخِصَ له بذلك فى الحَدِّ دُونَ غيرِه، وإذا لم يَتَعَدَّه هذا الحكمُ فى الحَدِّ الذى ورَدَ النصُّ به فيه، فلئلَّا يتَعَدَّاه إلى اليَمِينِ أوْلَى، ولو خُصَّ بالبِرِّ مَنْ له عُذْرٌ يُبِيحُ العُدولَ فى الحَدِّ إلى الضَّربِ بالعِثْكَالِ، لَكان له وَجْهٌ. وأمَّا تَعْدِيَتُه إلى غيرِه فبَعِيدٌ (١٢) جِدًّا. ولو حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَه بعَشرَةِ أسْواطٍ، فجمَعَها، فضَرَبَه بها، بَرَّ؛ لأَنّه قد