المغني لابن قدامة - ت التركي
كَفَّارتُه ذَبْحُ كَبْشٍ، ويُطْعِمُه المساكينَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ. ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عبّاسٍ (٢) أيضًا؛ لأَنَّ نَذْرَ ذَبْحِ الوَلَدِ جُعِلَ فى الشَّرْعِ كنذْرِ ذَبْحِ شاةٍ، بدليلِ أنَّ اللَّه تعالى أمرَ إبراهيمَ بذَبْحِ ولَدهِ، وكان أمْرًا بذَبْحِ شاةٍ، وشَرْعُ مَنْ قَبْلنا شرْعٌ لنا ما لم يَثْبُتْ نَسْخُه، ودليلُ أنَّه أُمِرَ بذبْحِ شاةٍ، أَنَّ اللَّه تعالَى لا يأْمُرُ بالفَحْشاءِ ولا بالْمَعاصِى، وذَبْحُ الوَلَدِ من كَبائِرِ المعاصِى. قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٣). وقال النَّبِىُّ ﷺ: "أكْبَرُ الْكَبَائِرِ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قِيلَ: ثم أىٌّ؟ قال: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ؟ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ" (٤). وقال الشافِعِىُّ: ليس هذا بشىءٍ، ولا يَجِبُ به شىءٌ؛ لأنَّه نَذْرُ مَعْصِيةٍ لا يَجِبُ الوفاءُ به، ولا يجوزُ، ولا تَجِبُ به كَفّارَةٌ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ: "لَا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ" (٥). ولقولِه ﵇: "ومَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِىَ اللَّه، فَلَا يَعْصِهِ" (٦). ولَنا، قولُه ﵇] (٧): "لا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةٍ، وكَفُّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِينٍ" (٨). ولأنَّ النَّذْرَ حُكْمُه حكمُ اليَمِينِ، بدليلِ قولِه ﵇: "النَّذرُ حَلْفَةٌ، وكَفَّارَتُه كفّارَةُ يمينٍ" (٩). فيكونُ بمنزِلَةِ من حَلَفَ ليَذْبَحَنَّ وَلَدَهَ. وقولُهم: إِنَّ النَّذْرَ لِذَبْحِ الوَلَدِ كنايَةٌ عن ذَبْحِ كبْشٍ. لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ إبراهيمَ لو كان مأْمُورًا بذَبْحِ كَبْشٍ، لم يكُن الكَبْشُ فِداءً، ولا كان مُصَدِّقًا للرُّؤْيَا قبلَ ذَبْحِ الكَبْشِ،