المغني لابن قدامة - ت التركي
يقولَ الإِمامُ ذلك. ولم يَرَ أنْ يقولَ الإِمامُ ذلك إلَّا بعدَ انْقِضاءِ الحرْبِ، على ما تقدَّمَ من مذهَبِه فى النَّفَلِ، وجَعلُوا (٤٢) السَّلَبَ هاهُنا من جُمْلَةِ الأنْفالِ. وقد رُوِىَ عن أحمد مثلُ قولِهم، وهو اختيارُ أبى بكرٍ. واحتَجُّوا بما روَى عَوْفُ بن مالِك، أنَّ مَدَدِيًّا اتَّبَعَهُمْ، فقَتلَ عِلْجًا، فأخذَ خالدٌ بعضَ سَلَبِه، وأعْطاهُ بعضَه، فذكرَ ذلك لرسولِ اللَّه ﷺ، فقال: "لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ" روَاه سعيدٌ، وأبو داوُدَ (٤٣). أنا (٤٤) اخْتَصَرْتُه. ورَويا بإسْنادِهما عن شَبْر بن عَلْقَمةَ، قال: بارَزْتُ رجلًا يومَ القادِسِيَّةِ، فقَتَلْتُه، وأخَذْتُ سَلَبَه، فأَتَيْتُ به سعدًا، فخطَبَ سعدٌ أصحابَه، وقال: إنَّ هذا سَلَبُ شَبْرٍ، خَيْرٌ من اثْنَىْ عَشَرَ ألفًا، وإنَّا قد نَفَلْناه إيَّاه (٤٥). ولو كان حقًّا له، لم يَحْتَجْ إلى [أنْ ينفِّلَه] (٤٦). ولأنَّ عمرَ أخذَ الخُمْسَ من سَلَبِ الْبَراءِ، ولو كان حَقًّا له، لم (٤٧) يَجُزْ أن يأْخُذَ منه شيئًا، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَفَعَ سَلَبَ أبى قتادَةَ إليه من غيرِ بيِّنَةٍ ولا يَمينٍ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ". وهذا من قَضايَا رسولِ اللَّه ﷺ المَشْهُورَةِ، التى عَمِلَ بها الخُلفاءُ بعدَه، وأخْبارُهم التى احْتَجُّوا بها تدُلُّ على ذلك؛ فإنَّ عَوْفَ بنَ مالِك احْتَجَّ كل خالِدٍ حين أخَذَ سلَبَ الْمَددَيِّ، فقال له عَوْفٌ: أما تَعْلَم أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَضَى بالسَّلَبِ للقاتلِ؟ قال: بَلَى. وقول عمرَ: إنّا كُنَّا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ. يُدلُّ على أنَّ هذه قَضِيةٌ عامَّةٌ فى كلِّ غَزْوَةٍ، وحكمٌ مستَمِرٌّ لكلِّ قاتلٍ، وإنَّما أمَرَ النَّبِىُّ ﷺ خالدًا أنْ لا يَرُدَّ على المَدَدِيِّ عُقوبةً، حين أغْضَبَهُ عَوْفٌ بتَقْرِيعهِ خالِدًا بين يَدَيْه، وقولُه: قد أنْجَزْتُ لكَ ما ذَكَرْتُ لك مِنْ أمرِ رسولِ اللَّه ﷺ. وأمّا خبرُ شَبْرٍ، فإنَّما أنْفَذَ له سعدٌ ما قَضَى له به رسولُ اللَّه ﷺ، وسَمَّاه نَفَلًا، لأنَّه فى الحَقِيقَةِ نَفَلٌ، لأنَّه زيادةٌ على سَهْمِه. وأمَّا أبو قَتادَةَ، فإنَّ خَصْمَه اعْتَرفَ له به، وصدَّقَه، فجرى مَجْرَى البَيِّنَةِ،