Skip to content

المغني لابن قدامة - ت التركي ١٦٣١ - مسألة؛ قال: (وإذا غزا الأمير بالناس، لم يجز لأحد أن يتعلف، ولا يحتطب، ولا يبارز علجا، ولا يخرج من العسكر، ولا يحدث حدثا، إلا بإذنه)

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Printed page ١٣/ ٣٩

أصحابُ النَّبِيِّ ﷺ يُبارِزُونَ في عصرِ النَّبِىِّ ﷺ وبَعْدَه، ولم يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فكانَ ذلك إِجْماعًا، وكان أبو ذَرٍّ يُقْسِمُ أنَّ قولَه تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (١١). نزَلتْ في الذين تبارَزُوا يومَ بَدْرٍ، وهم حَمْزَةُ وعَلِىّ وعُبَيْدَةُ، بارَزُوا عُتْبَة وشَيْبَةَ والوَلِيدَ بنَ عُتْبَة (١٢)، وقال أبو قَتادَة: بارَزْتُ رجُلًا يومَ حُنَيْنٍ، فقَتَلْتُه (١٣). إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَنْبَغِى أنْ يُسْتَأْذَنَ الأميرُ في المُبارَزَةِ إذا أمْكَنَ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ، ورَخَّصَ فيها مالِكٌ، والشافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِخَبَرِ أبى قَتادَةَ، فإنَّه لم يُعْلَمْ أنَّه اسْتَأْذَنَ النَّبِىَّ ﷺ، وكذلك أكثرُ من حَكَيْنا عَنْهُم المُبارَزَةَ، لم يُعْلَمْ منهم اسْتِئْذانٌ. ولَنا، أنَّ الإِمامَ أعلمُ بفُرْسانِه وفُرْسانِ العدوِّ (١٤)، ومَتَى برَزَ الإِنسانُ إلى مَن لا يُطيقُه، كان مُعَرِّضًا نفْسَه للهَلاكِ، فيكْسِرُ قلوبَ المسلمين، فينْبَغِى أنْ يُفَوَّضَ ذلك إلى الإِمامِ، ليخْتارَ للمُبارَزَةِ مَنْ يَرْضاهُ لها، فيكونَ أقْرَبَ إلى الظَّفَرِ، وجَبْرِ قُلوبِ المُسْلِمين، وكسْرِ قُلوبِ المُشْركِين. فإنْ قيل: فقد أبَحْتُم له أنْ ينْغَمِسَ في الكُفَّارِ، وهو سَبَبٌ لقَتْلِه. قُلْنا: إذا كان مُبارِزًا تعلَّقَت قلوبُ الجيشِ به، وارْتَقَبُوا ظَفَرَهُ، فإنْ ظَفِرَ جَبَرَ قلوبَهم، وسَرَّهُم، وكسرَ قلوبَ الكفّارِ، وإنْ قُتِلَ كان بالعكسِ، والمُنْغَمِسُ يطْلبُ الشَّهادَةَ، لا يُتَرَقَّبُ منه ظَفَرٌ ولا مُقاوَمَةٌ، فافْتَرقا. وأمَّا مُبارَزَةُ أبى قَتادَة فغَيْرُ لازِمَةٍ، فإنَّها كانَتْ بعدَ الْتِحامِ الحربِ، رأَى رجُلًا يُريدُ أنْ يقتلَ مُسْلِمًا، فضَرَبَه أبو قتادَة، فالْتَفَت إلى أبى قَتَادَةَ، فضَمَّه ضَمَّةً كاد يَقْتُلُه. وليس هذا هو المُبارزَةُ المُخْتَلَفُ فيها، بل المُخْتَلَفُ فيها أن يَبْرُزَ رجلٌ بين الصَّفَّيْن قبلَ الْتحامِ الحَرْبِ، يدْعُو إلى المُبارَزَةِ، فهذا هو الذي يُعْتَبَرُ له إذْنُ الإِمامِ، لأنَّ عينَ الطائِفَتَيْن تَمْتَدُّ إلَيْهما، وقُلوبَ الفَرِيقَيْن تَتَعَلَّقُ بهما، وأيُّهما غَلَبَ سَرَّ أصْحابَه، وكسَرَ قلوبَ أعدائِه، بخلافِ غَيْرِه.