Skip to content

المغني لابن قدامة - ت التركي فصل

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Printed page ١٣/ ٢٨

أجْلِه، فلم يُمْنَعْ من الغَزْوِ، كما لو لم يَكُنْ عليه دينٌ. ولَنا، أنَّ الجِهادَ تُقْصَدُ منه الشهادَةُ التي تَفُوتُ بها النَّفْسُ، فيَفُوتُ الحقُّ بفَواتِها، وقد جاءَ أنَّ رجُلًا جاءَ إلى رسولِ اللَّه ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنْ قُتِلْتُ في سَبيلِ اللَّه صابرًا مُحْتَسِبًا، تُكَفَّرُ عنِّى خَطاياىَ؟ قال: "نَعَمْ، إلَّا الدَّيْنَ، فَإنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِى ذلِكَ". [روَاه مُسْلِمٌ] (٤). وأمَّا إذا تعَيَّنَ عليه الجِهادُ، فلا إذْنَ لغَرِيمهِ؛ لأنَّه تعلَّق بعيْنِه، فكان مُقَدَّمًا على ما في ذِمَّتِه، كسائِرِ فُروضِ الأَعْيانِ، ولكنْ يُسْتَحَبُّ له أنْ لا يَتَعَرَّضَ لِمَظانِّ القَتْلِ؛ من المُبارَزَةِ، والوقُوفِ في أوَّل المُقاتِلَةِ؛ لأنَّ فيه تَغْريرًا بتَفْوِيت الحَقِّ. وإنْ تَرَكَ وفاءً، أو أقامَ به (٥) كفيلًا، فله الغَزْوُ بِغَيْر إذْنٍ. نَصَّ عليه أحمد، في مَن تَرَكَ وفاءً؛ لأنَّ عبدَ اللَّه بن حَرامٍ، أبا جابِرٍ بنِ عبدِ اللَّه، خرجَ إلى أُحُدٍ، وعليه دَيْنٌ كثيرٌ، فاسْتُشْهِدَ، وقَضاهُ عنه ابْنُه بعِلْم النَّبِيِّ ﷺ، ولم يَذُمَّه النَّبىُّ ﷺ على ذلك، ولم يُنْكِرْ فِعْلَه، بل مَدَحه، وقال: "مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ" (٦). وقال لابْنِه جابر: "أشَعَرْتَ أَنَّ اللهَ أَحْيَا أَبَاكَ، وكلَّمَهُ (٧) كِفاحًا" (٨).