المغني لابن قدامة - ت التركي
الإِيلاءُ، ولأنَّ المُطالَبَةَ إنَّما تكونُ بعدَ [أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ] (١٥)، فَإِذا انْقَضَتِ المُدَّةُ بِأَرْبَعَةٍ فما دُونَ، لم تَصِحَّ المُطالَبَةُ مِنْ غَيْرِ إِيلاءٍ، وأبو حَنِيفَةَ ومَن وَافَقَه بَنَوْا ذلك على قَوْلِهم فى الفَيْئَةِ أنَّها تكونُ فى مُدَّةِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ (١٦)، وظاهِرُ الآيَةِ خِلافُه؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ (١٧). فَعَقَّبَ (١٨) الفَيْئَةَ (١٩) عَقِيبَ التَّرَبُّصِ بفاءِ التَّعْقِيبِ، فيَدُلُّ على تَأَخُّرِها عنه. إذا ثَبَتَ هذا، فحُكِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ المُولِىَ مَنْ يَحْلِفُ على تَرْكِ الوَطْءِ أَبَدًا أو مُطْلَقًا (٢٠)؛ لأنَّه إذا حَلَفَ على ما دُونَ ذلك (٢١)، أمْكَنَه التَّخَلُّصُ بغيرِ حِنْثٍ، فلم يكنْ مُولِيًا، كما لو حَلَفَ لا وَطِئَها فى مدينةٍ بعَيْنِها. ولَنا، أَنَّه لا يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ بعدَ التَّرَبُّصِ مِن يَمِينِه بغيرِ حِنْثٍ، فأشْبَهَ المُطَلَّقَةَ، بخِلافِ اليَمِينِ على مدينةٍ مُعَيَّنَةٍ، فإِنَّه يُمْكِنُه (٢٢) التَّخَلُّصُ بغيرِ الحِنْثِ (٢٣)، ولأنَّ الأَرْبَعَةَ الأشْهُرَ مُدَّةٌ تَتَضَرَّرُ المَرْأَةُ بتَأْخِيرِ الوَطْءِ عنها، فإِذا حَلَفَ على أكْثَرَ منها كان مُولِيًا كالأبَدِ. ودَلِيلُ الوَصْفِ مَا رُوِىَ أَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كان يطُوفُ لَيْلَةً فى المَدِينَةِ، فَسَمِعَ امْرَأَةً تقولُ (٢٤):
تَطَاوَلَ هَذا اللَّيْلُ وَازْوَرَّ جانِبُه ... وَلَيْسَ إِلَى جنْبِى خَلِيلٌ أُلاعِبُهْ
فَوَاللَّهِ لَوْلا اللَّهُ لا شَىْءَ غَيْرُه ... لَزُعْزِعَ مِنْ هذا السَّرِيرِ جَوانِبُهْ