المغني لابن قدامة - ت التركي
يا رسولَ اللَّه: أيُّ الصَّدَقةِ أَفْضَلُ؟ [قال: "أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ"] (٧). الرابع، أنَّه يُزَاحِمُ بها الوَصَايَا في الثُّلُثِ. الخامس، أنَّ خُرُوجَها من الثُّلُثِ مُعْتَبَرٌ حالَ المَوْتِ، لا قَبْلَه ولا بَعْدَه. ويُفَارِقُ الوَصِيَّةَ في سِتَّةِ أشْياء؛ أحدها، أنَّها لازِمَةٌ في حَقِّ المُعْطِى ليس له الرُّجُوعُ فيها. وإن كَثُرَتْ، لأنَّ المَنْعَ [من الزِّيَادةِ على الثُلُثِ] (٨) إنَّما كان لِحَقِّ الوَرَثةِ، لا لِحَقِّه، فلم يَمْلِكْ إجَازَتَها ولا رَدَّها، وإنما كان له الرُّجُوعُ في الوَصِيَّةِ؛ لأنَّ التَّبَرُّعَ بها مَشْرُوطٌ بالمَوْتِ (٩)، ففيما قبلَ المَوْتِ لم يُوجَد التَّبَرُّعُ ولا العَطِيّةُ، بخِلَافِ العَطِيّةِ في المَرَضِ، فإنَّه قد وُجِدَتِ العَطِيّةُ منه، والقَبُولُ من المُعْطِى، والقَبْضُ، فلَزِمَتْ كالوَصِيّةِ إذا قُبِلَتْ بعدَ المَوتِ وقُبِضَتْ. الثاني، أنَّ قَبُولَها على الفَوْرِ في حال (١٠) حَيَاةِ المُعْطِى وكذلك رَدُّها، والوَصَايَا لا حُكْمَ لِقَبُولِها ولا رَدِّها إلَّا بعد المَوْتِ؛ لما ذَكَرْنا من أنَّ العَطِيّةَ تَصَرُّفٌ في الحالِ، فتُعْتَبَرُ شُرُوطُه وَقْتَ وُجُودِه، والوَصِيّةُ تَبَرُّعٌ بعدَ المَوْتِ، فتُعْتَبَرُ شُرُوطُه بعدَ المَوْتِ. الثالث، أنَّ العَطِيَّةَ تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِها المَشْرُوطَةِ لها في الصِّحَّةِ؛ من العِلْمِ، وكَوْنِها لا يَصِحُّ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ وغَرَرٍ في غير العِتْقِ، والوَصِيّةُ بخِلَافِه. الرابع، أنَّها تُقَدَّمُ على الوَصِيَّةِ، وهذا قول الشافِعِيِّ، وجُمْهُورِ العُلَماءِ. وبه قال أبو حنيفةَ،