المغني لابن قدامة - ت التركي
النبيَّ ﷺ عَلَّلَ المَنْعَ من الوَصِيَّةِ بقولِه: "أنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عالَةً". ولأنَّ إعْطاءَ القَرِيبِ المُحْتاجِ خَيْرٌ من إعْطاءِ الأجْنَبِيِّ، فمتى لم يَبْلُغ المِيرَاثُ غِنَاهُم، كان تَرْكُه لهم كعَطِيَّتِهم إيَّاه، فيكونُ ذلك أفْضَلَ من الوَصِيَّةِ به لِغَيْرِهِم، فعند هذا يَخْتَلِفُ الحالُ بِاخْتِلَافِ الوَرَثةِ في كَثْرَتِهِم وقِلَّتِهِم، وغِنَاهُم وحاجَتِهِم، فلا يَتَقَيَّدُ بِقَدْرٍ من المالِ. واللَّه أعْلَمُ. وقد قال الشَّعْبِيُّ: ما مِنْ مالٍ أعْظَمُ أجْرًا، من مالٍ يَتْرُكُه الرَّجُلُ لِوَلَدِه، يُغْنِيهِم به عن الناسِ.
فصل: والأَوْلَى أن لا يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ بالوَصِيَّةِ وإن كان غَنِيًّا؛ لقولِ النبيِّ ﷺ: "والثُّلُثُ كَثِيرٌ". قال ابنُ عَبّاسٍ: لو أنَّ الناسَ غَضُّوا من الثُّلُّثِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الثُّلُثُ كَثِيرٌ". مُتّفَقٌ عليه (١٩). وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: إن كان غَنِيًّا اسْتُحِبَّ الوَصِيَّةُ بالثُّلُثِ. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لِسَعْدٍ: "والثُّلُثُ كَثِيرٌ". مع إخْبارِه إيَّاه بِكَثْرَةِ مالِه، وقِلَّةِ عِيَالِه، فإنَّه قال في الحَدِيثِ: "إنَّ لِى مَالًا كَثِيرًا، ولا يَرِثُنِى إلَّا ابْنَتِى". ورَوَى [سَعِيدُ، ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّه، ثنا عطَاءُ] (٢٠) بن السائِبِ، عن أبي عبد الرحمنِ السُّلَمِيّ، عن سَعْدِ بن مالِكٍ، قال: مَرِضْتُ مَرَضًا، فعَادَنِى رسُولُ اللَّه ﷺ، فقال لِى: "أَوْصَيْتَ؟ ". فقلتُ: نعم. أَوْصَيْتُ بمالِى كلِّه لِلفُقَراءِ وفى سَبِيل اللهِ. فقال لِى رسولُ اللَّه ﷺ: "أَوْصِ بالْعُشْرِ". فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ مالِى كَثِيرٌ. ووَرَثَتِى أغْنِيَاءُ. فلم يَزَلْ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُنَاقِصُنِى وأُنَاقِصُه، حتى قال: "أوْصِ بالثُّلُثِ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ". وقال أبو عبدِ الرحمنِ: لم يكُنْ أحَدٌ مِنَّا يَبْلُغُ في وَصِيَّتِه الثُّلُثَ حتى يَنْقُصَ منه شَيْئًا؛ لقولِ النبيِّ ﷺ: "الثُّلُث، والثُّلُثُ كَثِيرٌ". إذا ثَبَتَ هذا، فالأَفْضَلُ لِلغَنِيِّ الوَصِيَّةُ بالخُمْسِ. ونحو هذا يُرْوَى