Skip to content

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Printed page ٨/ ١٨٥

التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ من السَّلَفِ ومَنْ بَعْدَهم على القَوْلِ بِصِحَّةِ الوَقْفِ. قال جابِرٌ: لم يكُنْ أحدٌ من أصْحابِ النبيِّ ﷺ ذو مَقْدِرَةٍ إلّا وَقَفَ. ولم يَرَ شُرَيْحٌ الوَقْفَ، وقال: لا حَبْسَ عن فرائِضِ اللهِ. قال أحمدُ: وهذا مذهبُ أهْلِ الكُوفَةِ. وذَهَبَ أبو حنيفةَ إلى أنَّ الوَقْفَ لا يَلْزَمُ بمُجَرَّدِه، ولِلْوَاقِفِ الرُّجُوعُ فيه، إلَّا أن يُوصِىَ به بعدَ مَوْتِه، فيَلْزَمُ، أو يَحْكُمَ بِلُزُومِه حاكِمٌ. وحَكَاهُ بعضُهم عن عَلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عَبّاسٍ. وخَالَفَه صَاحِبَاه، فقالا كقَوْلِ سائِر أهْلِ العِلمِ. واحْتَجَّ بعضُهم بما رُوِىَ أنَّ عبدَ اللَّه بن زَيْدٍ، صَاحِبَ الأَذَانِ، جَعَلَ حائِطَه صَدَقَةً، وجَعَلَه إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فجاءَ أبَوَاه إلى رسولِ اللَّه ﷺ، فقالا: يا رسولَ اللَّه، لم يكُنْ لنا عَيْشٌ إلّا هذا الحائِطَ. فرَدَّه رسولُ اللَّه ﷺ، ثم ماتَا، فوَرِثَهُما. رَوَاهُ المحَامِلِىُّ (٤) في "أمَالِيهِ" (٥)، ولأنَّه أخْرَجَ مَالَه على وَجْهِ القُرْبةِ من مِلْكِه، فلم يَلْزَمْ بمُجَرَّدِ القَوْلِ، كالصَّدَقَةِ. وهذا القول يُخَالِفُ السُّنَّةَ الثابِتَةَ عن رسولِ اللَّه ﷺ، وإجْمَاعَ الصَّحَابةِ رَضِىَ اللَّه عنهم، فإنَّ النبيَّ ﷺ قال لِعُمَرَ في وَقْفِه: "لَا يُبَاعُ أصْلُهَا، ولا يُبْتَاعُ، ولَا يُوهَبُ، ولَا يُورَثُ". قال التِّرمِذِىُّ: العَمَلُ على هذا الحَدِيثِ عندَ أهْلِ العِلْمِ من أصْحابِ النبيِّ ﷺ وغيرِهم، لا نَعْلَمُ بين [أحَدٍ من] (٦) المُتَقَدِّمِينَ منهم في ذلك اخْتِلَافًا. قال الحُمَيْدِىُّ: تَصَدَّقَ أبو بكرٍ بِدَارِه على وَلَدِه، وعمرُ بِرَبْعِه عند المَرْوَةِ على وَلَدِه، وعثمانُ بِرُومَةَ (٧)، وتَصَدَّقَ عَلِىٌّ بأَرْضِه بِيَنْبُعَ، وتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدَارِه بمَكَّة [ودَارِه بمِصْرَ وأمْوالِه بالمدِينَةِ] (٦) على وَلَدِه،