المغني لابن قدامة - ت التركي
بِتَيَمُّمِهِ مَكْتُوبَةً، فله أنْ يُصَلِّىَ به ما شاءَ مِن الصَّلوَات (٥)، فيُصَلِّى الحاضِرَةَ، ويَجْمَعُ بينَ الصَّلَاتَيْن، ويَقْضِى فَوَائِتَ، ويَتَطَوَّعُ قبلَ الصَّلَاةِ وبعدَها. هذا قَوْلُ أبى ثَوْرٍ. وقال مالِك، والشَّافِعِىُّ: لا يُصَلِّى به فرْضَيْنِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لا يُصَلِّى بالتَّيَمُّمِ إلَّا صَلَاةً وَاحِدةً، ثم يَتَيَمَّمُ للأُخْرَى. وهذا يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مِثْلَ قَوْلِهما؛ لما رُوِىَ عن (٦) ابنِ عَبَّاس، أنَّه قال: مِن السُّنَّةِ أنْ لا يُصَلِّىَ بالتَّيَمُّمِ إلَّا صَلَاةً واحدةً، ثم يَتَيَمَّمُّ للأُخْرَى. وهذا مُقْتَضَى سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، ولأَنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ فلا يَجْمَعُ بها بينَ فَرِيضَتَيْنِ، كما لو كانا في وَقْتَيْنِ. ولَنا، أنَّها طهارَةٌ صَحِيحَةٌ، أباحَتْ فَرْضًا، فأباحَتْ فَرْضَيْنِ، كطهارةِ الماءِ، ولأنَّه بعدَ الفَرْضِ الأوَّلِ تَيَمُّمٌ صَحِيحٌ مُبيحٌ للتَّطَوُّعِ، نَوَى به المَكْتُوبَةَ، فكان له أنْ يُصَلِّىَ به فَرْضًا، كحالَةِ ابْتِدَائِه، ولأنَّ الطَّهَارَةَ في الأُصُولِ، إنَّما تَتَقَيَّدُ بالوَقْتِ دُونَ الفِعْلِ، كطهارِة الماسِحِ على الخُفِّ، وهذه في النَّوَافِلِ، وطهارةِ المُسْتَحَاضَةِ، ولِأَنَّ (٧) كُل تَيَمُّمٍ أبَاحَ صَلَاةً أبَاحَ ما هو مِنْ نَوْعِها، بِدليلِ صَلَواتِ (٨) النَّوَافِلِ. وأمَّا حَدِيثُ ابنِ عَبَّاس، فيَرْوِيه الحسنُ بنُ عُمارةَ (٩)، وهو ضَعِيفٌ، ثم يَحْتَمِلُ أنَّه أراد [أنْ لا يُصَلِّىَ] (١٠) به صَلَاتَيْنِ في وَقْتَيْن؛ بدَلِيلِ أنَّه يجوزُ أنْ يُصَلِّىَ به صَلَوَاتٍ مِنَ التَّطَوُّعِ، ويَجْمَعَ بينَ صَلَاتَيْنِ؛ فَرْضٍ، ونَفْلٍ، وإنَّما امْتَنَعَ الجَمْعُ بين فَرْضَىْ وَقْتَيْنِ، لِبُطْلَانِ التَّيَمُّمِ، بِخُرُوجِ وَقْتِ الأُولَى منها.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الْخِرَقِىَّ إنَّما ذكرَ قضاءَ الفَوَائِتِ والتَّطَوُّعَ، ولم يَذْكُرِ الجَمْعَ بَيْنَ صَلاتَيْنِ (١١)، وكذا ذَكَرَ الإِمامُ أحمدُ، فيَحْتَمِلُ أنْ لا يجوزَ الجَمْعُ بَيْنَ