المغني لابن قدامة - ت التركي
ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢٧)، وقولهُ تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢٨). ورَوَى أبو داود (٢٩)، وأبو بكر الخَلَّال، بإسْنَادِهِما، عن عمرِو بنِ العاص، قال: احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ في غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أنْ أَهْلِكَ، فتَيَمَّمْتُ، ثم صَلَّيْتُ بأصْحَابِى الصُّبْحَ، فذَكَرُوا ذلك للنَّبِىِّ ﷺ فقالَ: "يَا عَمْرُو، أصَلَّيْتَ بأَصْحَابِكَ، وأَنْتَ جُنُبٌ؟ " فأخْبَرْتُه بالذى مَنَعَنِى مِن الاغْتِسَالِ، وقلتُ: إنِّي سَمِعْتُ اللهَ ﷿ يقولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. فضَحِك رَسولُ اللهِ ﷺ، ولم يَقُلْ شَيْئًا. وسكوتُ النَّبِىِّ ﷺ يَدُلُّ على الجوازِ؛ لأنَّه لا يُقِرُّ على الخَطَأ، ولأنَّه خائِفٌ على نَفْسِهِ، فأُبِيحَ له التَّيَمُّمُ كالجَرِيحِ والمَرِيضِ، وكما لو خافَ على نَفْسِه عَطَشًا أوْ لِصًّا أو سَبُعًا في طَلَبِ الماءِ. وإذَا تَيَمَّمَ وصَلَّى، فهلْ يَلْزَمُهُ الإِعادةُ؟ على رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُما، لا يَلْزَمُهُ. وهو قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، ومالِكٍ، وأبى حنيفةَ، وابْنِ المُنْذِرِ؛ لِحَدِيثِ عمرٍو، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يأْمُرْهُ بالإِعادةِ، ولو وَجَبَتْ لأَمَرَهُ بها، ولأنَّه خَائِفٌ على نَفْسِهِ، أشْبَهَ المَرِيضَ، ولأنَّه أَتَى بما أُمِرَ به (٣٠)، فأشْبَهَ (٣١) سائِرَ مَنْ يُصَلِّى بالتَّيَمُّمِ. والثانية، يَلْزَمُهُ الإِعادةُ. وهو قولُ أبى يوسف ومحمد؛ لأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ غيرُ مُتَّصِلٍ، فلم يَمْنَع الإِعادةَ، كنِسْيَانِ الطَّهَارَةِ. والأوَّلُ أَصَحُّ. ويُفَارِقُ نِسْيَانَ الطَّهَارَةِ؛ لأنَّه لم يَأْتِ بما أُمِرَ به (٣٠)، وإنَّما ظَنَّ أنَّه أَتَى به، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا. وقال أبو الخَطَّابِ: لا إعادةَ عليه إنْ كان مُسَافِرًا، وإنْ كان حاضِرًا فعلى رِوَايَتَيْنِ؛ وذلك لأنَّ الحَضَرَ مَظِنَّةُ القُدْرَةِ على تَسْخِينِ الماءِ، ودُخُولِ الحَمَّامَاتِ، بخِلافِ السَّفَرِ، وقال الشَّافِعِىُّ: يُعِيدُ إنْ كان حَاضِرًا، وإنْ كان مُسَافِرًا فعلى قَوْلَيْنِ.