المغني لابن قدامة - ت التركي
فنَقِيسُ عليه مَحلَّ النِّزَاعِ. ولأنَّ سائِرَ الأمْوالِ لا يَزُولُ المِلْكُ عنها بالتَّرْكِ، بدَلِيلِ سائِرِ الأمْلَاكِ إذا تُرِكَتْ حتى تَشَعَّثَتْ. وما ذَكَرُوه يَبْطلُ بالمَوَاتِ إذا أحْياهُ إنسانٌ ثم باعَهُ، فتَرَكَهُ المُشْتَرِى حتى عادَ مَوَاتًا، وباللُّقَطَةِ إذا مَلَكَها ثم ضاعَت منه، ويُخَالِفُ ماءَ النَّهْرِ، فإنَّه استُهْلِكَ. النَّوْع الثاني، ما يُوجَدُ فيه آثارُ مِلْكٍ قَدِيمٍ جاهِلِىّ، كآثارِ الرُّومِ، ومَسَاكِن ثَمُودَ، ونحوها، فهذا يُملَكُ بالإِحْياءِ؛ لأنَّ ذلك المِلْكَ لا حُرْمَةَ له. وقد رُوِى عن طاوُسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ، أنَّه قال: "عَادِىُّ الْأرْضِ لِلهِ ولِرَسُولِه، ثُمَّ هُوَ بَعْدُ لَكُمْ". رَوَاهُ سَعِيدُ [بن مَنصورٍ] (٧)، في "سُنَنِه"، وأبُو عُبَيْدٍ، في "الأمْوالِ" (٨). وقال: عادِىُّ الأرْضِ: التي كان بها ساكِنٌ في آبادِ الدَّهْرِ، فانْقَرَضُوا، فلم يَبْقَ منهم أنِيسٌ، وإنَّما نَسَبَها إلى عادٍ، لأنَّهم كانوا مع تَقَدُّمِهِم ذَوِى قُوَّةٍ وبَطْشٍ وآثارٍ كَثِيرَة، فنُسِبَ كلُّ أثَرٍ قَدِيمٍ إليهم. ويَحْتَمِلُ أنَّ كلَّ ما فيه أثرُ المِلْكِ، ولم يُعْلَمْ زَوَالُه قبلَ الإِسْلَامِ، أنَّه لا يُمْلَكُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ المُسْلِمِينَ أخَذُوه عامِرًا، فاسْتَحَقُّوه، فصارَ مَوْقُوفًا بِوَقْفِ عمرَ له، فلم يُمْلَكْ، كما لو عُلِمَ مالِكُه. النَّوع الثالث، ما جَرَى عليه المِلْكُ في الإِسلامِ لِمُسْلِمٍ، أو ذِمِّىٍّ غيرِ مُعَيَّنٍ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّها لا تُمْلَكُ بالإِحْياءِ. وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ، نَقَلَها عنه أبو دَاوُدَ، وأبو الحارِثِ، ويوسفُ بن موسى؛ لما رَوَى كَثِيرُ بن عبدِ اللَّه بن عَوْفٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ، يقول: "مَنْ أحيَا أرْضًا مَوَاتًا، في غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، فَهِىَ لَهُ" (٩). فقَيَّدَه بكَوْنِه في غيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ. ولأنَّ هذه الأرْضَ لها مالِكٌ، فلم يَجُزْ إحْياؤُها، كما لو كان مُعَيَّنًا، فإنَّ مالِكَها إن كان له وَرَثَةٌ فهى لهم، وإن لم يكُنْ له وَرَثَةٌ، وَرِثَها المسلِمُونَ. والرِّواية الثانية، أنَّها تُمْلَكُ