المغني لابن قدامة - ت التركي
الوَرَثَةُ، فإنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بالأَعْيَانِ، ولا يَتَصَرَّفُونَ فيها، وإن حَصَلَتْ لهم مَنْفَعَةٌ، فلا يَسْقُطُ حَظُّ المَيِّتِ وصَاحِبِ الدَّيْنِ لِمَنْفَعَةٍ لهم. ولَنا، ما ذَكَرْنَا فى المُفْلِسِ، ولأنَّ المَوْتَ ما جُعِلَ مُبْطِلًا لِلْحُقُوقِ، وإنَّما هو مِيقَاتٌ لِلْخِلَافَةِ، وعَلَامَةٌ على الوِرَاثَةِ، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ: "مَنْ تَرَكَ حَقًّا أو مَالًا فَلِوَرَثَتِه" (٣). وما ذَكَرُوهُ إثْبَاتُ حُكْمٍ بالمَصْلَحَةِ المُرْسَلَةِ، ولا يَشْهَدُ لها شاهِدُ الشَّرْعِ باعْتِبَارٍ، ولا خِلَافَ فى فَسَادِ هذا، فعلى هذا يَبْقَى الدَّيْنُ فى ذِمَّةِ المَيِّتِ كما كان، ويَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ مَالِه كتَعَلُّقِ حُقُوقِ الغُرَمَاءِ بمَالِ المُفْلِسِ عند الحَجْرِ عليه. فإن أحَبَّ الوَرَثَةُ أدَاءَ الدَّيْنِ، والْتِزَامَه لِلْغَرِيمِ، ويَتَصَرَّفُونَ فى المالِ، لم يكُنْ لهم ذلك، إلَّا أن يَرْضَى الغَرِيمُ أو يُوَثِّقُوا الحَقَّ بِضَمِينٍ مَلِىءٍ، أو رَهْنٍ يَثِقُ به لِوَفَاءِ حَقِّه، فإنَّهم قد لا يَكُونُوا أمْلِيَاءَ، ولم يَرْضَ بهم الغَرِيمُ، فيُؤَدِّى إلى فَوَاتِ الحَقِّ. وذَكَرَ القاضى أنَّ الحَقَّ يَنْتَقِلُ إلى ذِمَمِ الوَرَثَةِ بِمَوْتِ مُوَرِّثِهِم، من غير أن يُشْتَرَطَ الْتِزَامُهم له. ولا يَنْبَغِى أن يَلْزَمَ الإِنْسَانَ دَيْنٌ لم يَلْتَزِمْهُ، ولم يَتَعَاطَ سَبَبَهُ، ولو لَزِمَهُم ذلك لِمَوْتِ مَوَرِّثِهم (٤) لَلَزِمَهم وإن لم يُخْلِفْ وَفَاءً، وإن قُلْنا: إنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ بالمَوْتِ. فأَحَبَّ الوَرَثَةُ القَضَاءَ مِن غيرِ التَّرِكَةِ، واسْتِخْلَاصَ التَّرِكَةِ، فلهم ذلك، وإن قَضَوْا منها، فلهم