المغني لابن قدامة - ت التركي
المَنِىَّ. قال: فقامَ رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: "قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّى أَثْقَاكُمْ للهِ، وأَصْدَقُكُمْ، وأَبَرُّكُمْ، ولَوْلَا هَدْيِى لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، فَحِلُّوا، ولَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا أهْدَيْتُ". قال: فَحَلَلْنَا، وسَمِعْنَا، وأطَعْنَا قال: فقال سُرَاقَةُ بن مَالِكِ بن جُعْشُمٍ المُدْلِجِىُّ: مُتْعَتُنا هذه يا رسوِلَ اللهِ لِعَامِنا هذا، أم لِلْأَبَدِ؟ فظَنَّهُ مُحمدُ بن بكر، أنَّه قال: "لِلْأَبَدِ". مُتَّفَقٌ عليه (١١). فأمَّا حَدِيثُهم، فقال أحمدُ: رَوَى هذا الحديثَ الحَارِثُ بن بِلَالٍ، فَمَنِ الحَارِثُ بن بِلَالٍ؟ يَعْنِى أنَّه مَجْهُولٌ. ولم يَرْوِهِ إلَّا الدَّرَاورْدِىُّ، وحَدِيثُ أبي ذَرٍّ رَوَاهُ مُرَقِّع الأُسَيِّدىّ، فمَنْ مُرَقِّع الأُسَيِّدِىّ! شَاعِرٌ من أهْلِ الكُوفَةِ، ولم يَلْقَ أبا ذَرٍّ. فقِيلَ له: أفليس قد رَوَى الأعْمَشُ عن إبراهِيمَ التَّيْمِىّ، عن أبِيهِ، عن أبي ذَرٍّ؟ قال: كانت مُتْعَةُ الحَجِّ لنا خَاصَّةً أصْحَابَ رَسولِ اللهِ ﷺ. قال: أفَيَقُولُ بهَذا أحدٌ؟ المُتْعَةُ فى كتابِ اللهِ، وقد أجْمعَ الناسُ على أنَّها جائزةٌ. قالَ الْجُوزَجَانِىُّ: مُرَقِّع الأسَيِّدىُّ لَيْس بِمَشْهُورٍ (١٢)، ومثلُ هذه الأحادِيث فى ضَعْفِها وجَهَالَةِ رُوَاتِهَا، لا تُقْبَلُ إذا انْفَرَدَتْ، فكَيْفَ تُقْبَلُ فى رَدِّ حُكْمٍ ثَابِتٍ بِالتَّوَاتُرِ! مع أنَّ قَوْلَ أبِى ذَرٍّ مِن رَأْيِهِ، وقد خَالَفَهُ مَن هو أعْلَمُ منه، وقد شَذَّ به عن الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّه عنهم، فلا يُلْتَفَتُ إلى هذا، وقد اخْتَلَفَ لَفْظُهُ، ففِى أَصَحِّ الطَّرِيقَيْنِ عنه قولُه مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّه تعالى، وقولِ رسولِ اللهِ، وإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وسُنَنِ رسولِ