المغني لابن قدامة - ت التركي
النَّفَقَةِ عليه، فجازَ الاسْتِئْجَارُ عليه، كبِناءِ المساجِدِ والقَنَاطِرِ. ووَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى أنَّ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ كان يُعَلِّمُ رَجُلًا القُرْآنَ، فأهْدَى لَه قَوْسًا، فسَألَ النَّبِىَّ ﷺ عن ذلك، فقال له: "إنْ سَرَّكَ أنْ تَتَقَلَّدَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ، فَتَقَلَّدْهَا" (١١). وقال النَّبِىُّ ﷺ لِعُثمانَ بن أبى العَاصِ: "وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا، لَا يَأْخُذُ عَلَى أذَانِهِ أَجْرًا" (١٢). ولأنَّها عِبادَةٌ يَخْتَصُّ فَاعِلُها أن يكونَ من أهْلِ القُرْبَةِ، فلم يَجُزْ أخْذُ الأُجْرَةِ عليها، كالصلاةِ، والصَّوْمِ. وأمَّا الأحادِيثُ التى فى أخْذِ الجُعْلِ والأُجْرَةِ، فإنَّما كانت فى الرُّقْيَةِ، وهى قَضِيَّةٌ فى عَيْنٍ، فتَخْتَصُّ بها. وأمَّا بِناءُ المَساجِدِ، فلا يَخْتَصّ فَاعِلُه أن يكونَ من أَهْلِ القُرْبَةِ، ويجوزُ أن يَقَعَ قُرْبَةً وغيرَ قُرْبَةٍ، فإذا وَقَعَ بأُجْرَةٍ لم يكنْ قُرْبَةً، ولا عِبَادَةً، ولا يَصِحُّ (١٣) هاهُنا أن يكونَ غيرَ عِبادَةٍ، ولا يجوزُ الاشْتِرَاكُ فى العِبادَةِ، فمتى فَعَلَهُ مِن أجْلِ الأُجْرَةِ خَرَجَ عن كَوْنِه عِبَادَةً، فلم يَصِحَّ، ولا يَلْزَمُ مِن جَوَازِ أَخْذِ النَّفَقَةِ جَوَازُ أَخْذِ الأُجْرَةِ، بِدَلِيلِ القَضاءِ والشَّهادَةِ والإِمامَةِ، يُؤْخَذُ عليها الرِّزْقُ من بَيْتِ المالِ، وهو نَفَقَةٌ فى المَعْنَى، ولا يجوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عليها. وفائِدَةُ الخِلَافِ، أنَّه متى لم يَجُزْ أَخْذُ الأُجْرَةِ عليها، فلا يكونُ إلَّا نَائِبًا مَحْضًا، وما يُدْفَعُ إليه من المالِ يكونُ نَفَقَةً لِطرَيقِه، فلو ماتَ، أو أُحْصِرَ، أو مَرِضَ، أو ضَلَّ الطَّرِيقَ، لم يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ لِمَا أنْفَقَ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه إِنْفاقٌ بإذْنِ صَاحِبِ المالِ، فأشْبَهُ ما لو أذِنَ له فى سَدِّ بَثْقٍ (١٤) فَانْبَثَقَ ولم يَنْسَدَّ. وإذا نَابَ عنه آخَرُ، فإنَّه يَحُجُّ من حَيْثُ بَلَغَ النائِبُ