المغني لابن قدامة - ت التركي
وجَوَّزَه الزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والشَّافِعِىُّ، إذا كان قَرِيبًا من الصَّفِّ. الحالُ الثَّالِثُ، إذا رَفَعَ رَأْسَهُ من الرُّكُوعِ، ثم دَخَلَ في الصَّفِّ، أو جاءَ آخَرُ فوَقَفَ معه قبلَ إتْمَامِ الرَّكْعَةِ، فهذه الحالُ التي يُحْمَلُ عليها قَوْلُ الْخِرَقِيِّ: "ونَصَّ أحمدُ". فمتى كان جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ ذلك، صَحَّتْ صلاتُه، وإن عَلِمَ، لم تَصِحَّ. ورَوَى أبو دَاوُدَ، عن أحمدَ، أنَّه يَصِحُّ، ولم يُفَرِّقْ. وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ أبا بكرَةَ فَعَلَ ذلك، وفَعَلَه مَنْ ذَكَرْنا من الصَّحَابَةِ. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ أبا بَكْرَةَ انْتَهى إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو رَاكِعٌ، فرَكَعَ قبلَ أن يَصِلَ إلى الصَّفِّ، فذَكَرَ ذلك للنَّبِىِّ ﷺ فقال: "زَادَكَ اللهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٢)، ورَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢)، ولَفْظُه: أنَّ أَبَا بَكْرَةَ جَاءَ ورسولُ اللهِ ﷺ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثم مَشَى إلى الصَّفِّ، فلمَّا قَضَى النَّبِىُّ ﷺ الصَّلَاةَ، قال: "أَيُّكُم الَّذِى رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إلى الصَّفِّ؟ " فقال أبُو بَكْرَةَ: أنا. فقال النَّبِيُّ ﷺ: "زَادَكَ اللهُ حِرْصًا، ولَا تَعُدْ". فلم يَأْمُرْهُ بإعادَةِ الصلاةِ، ونَهَاهُ عن العَوْدِ، والنَّهْىُ يَقْتَضِى الفَسَادَ. فإن قِيلَ: إنَّما نَهَاهُ عن التَّهَاوُنِ والتَّخَلُّفِ عن الصَّلَاةِ قُلْنا: إنَّما يَعُودُ النَّهْىُ إلى المَذْكُورِ، والمَذْكُورُ الرُّكُوعُ دُونَ الصَّفِّ، ولم يَنْسِبْهُ النَّبِىُّ ﷺ إلى التَّهَاوُنِ، وإنَّما نَسَبَهُ إلى الحِرْصِ، ودَعَا له بالزِّيَادَةِ فيه، فكَيْفَ يَنْهَاهُ عن التَّهَاوُنِ، وهو مَنْسُوبٌ إلى ضِدِّهِ؟ ورُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّها لا تَصِحُّ صَلَاتُه، عالِمًا كان أو جاهِلًا؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ في الصَّفِّ ما يُدْرِكُ به الرَّكَعَةَ، أشْبَهَ ما لو صَلَّى رَكْعَةً كامِلَةً، وعلى هذا يُحْمَلُ حَدِيثُ أبي بَكْرَةَ، على أنَّه دَخَلَ في الصَّفِّ قبلَ رَفْعِ النَّبِيِّ