بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
ليس هناك اضطراب، لكنها قضايا متعددة؛ لأن المنِيَّ ليس في مرةٍ واحدةٍ، بل يحصل ويتكرر من الإنسان، فمرة كذا، ومرة كذا، لكن عائشة ﵂ وضعت مقياسًا ومنهجًا في بعض الأحاديث أنها كانت تغسله إذا كان رطبًا، وتَفْركه إذا كان يابسًا؛ ولذَلكَ فرارًا من الاحتجاج على الحنفيَّة بالفرك، قالوا: لو فركَ من الثوب، فإنه يُصلِّي فيه حتى لا يحتجَّ عليهم بذلك، فهم يَقُولون بنجاسته، لكن الفرك يُطَهِّر عندهم، وسيأتي معنا أن الحنفية يُخَالفون غير ما ظن في المسألة، والبَاب الَّذي بعد هذا، وَيتَوسَّعون فيما تُزَال به النجاسة.
قال الجمهور: لا يُزال إلَّا بالماء، وسيأتي حديث عائشة الذي ذكَرنا أنها بلَّت مكان دم الحيض في ثوبها فَقَعصته، أي: فركته.
كذلك في المسألة، هناك مِن العلماء كالليث بن سعد (١) وهو من الأئمة المشهورين، وإمام مصر قبل الشافعي، وكان بمنزلة مالكٍ، وربما البعض يعرف الرسائل التي دارت بينه وبين الإمام مالك ﵏.
قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي: تَرَدُّدُ المَنِيِّ بَيْنَ أَنْ يُشَبَّهَ بِالأَحْدَاثِ الخَارِجَةِ مِنَ البَدَنِ، وَبَيْنَ أَنْ يُشَبَّهَ بِخُرُوجِ الفَضَلَاتِ الطَّاهِرَةِ كَاللَّبَنِ وَغَيْرِهِ، فَمَنْ جَمَعَ الأَحَادِيثَ كُلَّهَا بِأَنْ حَمَلَ الغَسْلَ عَلَى بَابِ النَّظَافَةِ، وَاسْتَدَلَّ مِنَ الفَرْكِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَعَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الفَرْكَ لَا يُطَهِّرُ نَجَاسَةً، وَقَاسَهُ عَلَى اللَّبَنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الفَضَلَاتِ الشَّرِيفَةِ -لَمْ يَرَهُ نَجِسًا، وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ الغَسْلِ عَلَى الفَرْكِ، وَفَهِمَ مِنْهُ النَّجَاسَةَ، وَكانَ بِالأَحْدَاثِ عِنْدَهُ أَشْبَهَ مِنْهُ ممَّا لَيْسَ بِحَدَثٍ - قَالَ: إِنَّهُ نَجِسٌ، وَكَذَلِكَ