Skip to content

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Printed page ٥/ ٦٢٥

قَالَ أبو عمر: وَهَذَا عِنْدِي وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ مُخَالِفًا لِحَدِيثِهَا الْآخَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبَاحَتِهِ بِاللَّيْلِ وَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ " لَا " مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا عَلَى الْإِطْلَاقِ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحَدِيثَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّ الشَّكَاةَ الَّتِي قَالَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا لَمْ تَبْلُغْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْهَا مَبْلَغًا لَا بُدَّ لَهَا فِيهِ مِنَ الْكُحْلِ؛ فَلِذَلِكَ نَهَاهَا، وَلَوْ كَانَتْ مُحْتَاجَةً مُضْطَرَّةً تَخَافُ ذَهَابَ بَصَرِهَا لَأَبَاحَ لَهَا ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ بِالَّتِي قَالَ لَهَا: ( «اجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ» ) وَالنَّظَرُ يَشْهَدُ لِهَذَا التّأْوِيلِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تَنْقُلُ الْمَحْظُورَاتِ إِلَى حَالِ الْمُبَاحِ فِي الْأُصُولِ، وَلِهَذَا جَعَلَ مالك فَتْوَى أم سلمة ﵂ تَفْسِيرًا لِلْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ فِي الْكُحْلِ؛ لِأَنَّ أم سلمة ﵂ رَوَتْهُ وَمَا كَانَتْ لِتُخَالِفَهُ إِذَا صَحَّ عِنْدَهَا وَهِيَ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ وَمَخْرَجِهِ، وَالنَّظَرُ يَشْهَدُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُضْطَرَّ إِلَى شَيْءٍ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْمُرَفَّهِ الْمُتَزَيِّنِ بِالزِّينَةِ، وَلَيْسَ الدَّوَاءُ وَالتَّدَاوِي مِنَ الزِّينَةِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا نُهِيَتِ الْحَادَّةُ عَنِ الزِّينَةِ لَا عَنِ التَّدَاوِي، وأم سلمة ﵂ أَعْلَمُ بِمَا رَوَتْ مَعَ صِحَّتِهِ فِي النَّظَرِ، وَعَلَيْهِ أَهْلُ الْفِقْهِ وَبِهِ قَالَ مالك وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ.

وَقَدْ ذَكَرَ مالك ﵀ فِي " مُوَطَّئِهِ " أَنَّهُ بَلَغَهُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ فِي الْمَرْأَةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا: إِنَّهَا إِذَا خَشِيَتْ عَلَى بَصَرِهَا مِنْ رَمَدٍ بِعَيْنَيْهَا، أَوْ شَكْوَى أَصَابَتْهَا أَنَّهَا تَكْتَحِلُ وَتَتَدَاوَى بِالْكُحْلِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ.

قَالَ أبو عمر: لِأَنَّ الْقَصْدَ إِلَى التَّدَاوِي لَا إِلَى التَّطَيُّبِ وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الصَّبْرُ يُصَفَّرُ فَيَكُونُ زِينَةً وَلَيْسَ بِطِيبٍ، وَهُوَ كُحْلُ الْجَلَاءِ، فَأَذِنَتْ أم سلمة ﵂ لِلْمَرْأَةِ بِاللَّيْلِ حَيْثُ لَا تُرَى، وَتَمْسَحُهُ بِالنَّهَارِ حَيْثُ يُرَى، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ.

وَقَالَ أبو محمد بن قدامة فِي " الْمُغْنِي ": وَإِنَّمَا تُمْنَعُ الْحَادَّةُ مِنَ الْكُحْلِ