زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني
مَلْفُوفٌ بِخِرْقَةٍ، فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ، ارْتَعَدَ وَسَقَطَتِ الْخِرْقَةُ، فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَا ذَكَرَ لَهُ» .
وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْقَضَاءُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، فَطَعَنَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَعَلَّقُ عَلَيْهِ، وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْقَتْلِ، إِنَّمَا أَرَادَ تَخْوِيفَهُ لِيَزْدَجِرَ عَنْ مَجِيئِهِ إِلَيْهَا. قَالَ: وَهَذَا كَمَا قَالَ سُلَيْمَانُ لِلْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اخْتَصَمَتَا إِلَيْهِ فِي الْوَلَدِ: " «عَلَيَّ بِالسِّكِّينِ حَتَّى أَشُقَّ الْوَلَدَ بَيْنَهُمَا» "، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، بَلْ قَصَدَ اسْتِعْلَامَ الْأَمْرِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ تَرَاجِمِ الْأَئِمَّةِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: بَابُ الْحَاكِمِ يُوهِمُ خِلَافَ الْحَقِّ لَيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، فَأَحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَعْرِفَ الصَّحَابَةُ بَرَاءَتَهُ، وَبَرَاءَةَ مارية، وَعُلِمَ أَنَّهُ إِذَا عَايَنَ السَّيْفَ، كَشَفَ عَنْ حَقِيقَةِ حَالِهِ، فَجَاءَ الْأَمْرُ كَمَا قَدَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عليا ﵁ بِقَتْلِهِ تَعْزِيرًا لِإِقْدَامِهِ وَجُرْأَتِهِ عَلَى خَلْوَتِهِ بِأُمِّ وَلَدِهِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لعلي حَقِيقَةُ الْحَالِ، وَأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الرِّيبَةِ، كَفَّ عَنْ قَتْلِهِ، وَاسْتَغْنَى عَنِ الْقَتْلِ بِتَبْيِينِ الْحَالِ، وَالتَّعْزِيرُ بِالْقَتْلِ لَيْسَ بِلَازِمٍ كَالْحَدِّ، بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِلْمَصْلَحَةِ دَائِرٌ مَعَهَا وُجُودًا وَعَدَمًا.
[فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ ﷺ فِي الْقَتِيلِ يُوجَدُ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ]
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَذُرِعَ مَا بَيْنَهُمَا، فَوُجِدَ إِلَى أَحَدِهِمَا أَقْرَبُ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى شِبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَلْقَاهُ عَلَى أَقْرَبِهِمَا» .
وَفِي " مُصَنَّفِ عبد الرزاق " قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنَا فِي الْقَتِيلِ يُوجَدُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ دِيَارِ قَوْمٍ: أَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ،