Skip to content

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط العلمية سورة سبأ

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط العلمية

ابن جني

Printed page ٢/ ٢٣٨

وقرأ: «بل مكر الليل والنهار» -قتادة (١).

قال أبو حاتم: وقرأ راشد الذى كان نظر فى مصاحف الحجاج: «بل مكرّ»، بالنصب (٢).

قال أبو الفتح: أما «المكرّ» والكرور: أى: اختلاف الأوقات، فمن رفعه فعلى وجهين:

أحدهما: بفعل مضمر دل عليه قوله: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ﴾ (٣). فقالوا فى الجواب: بل صدّنا مكرّ الليل والنهار؛ أى: كرورهما.

والآخر: أن يكون مرفوعا بالابتداء، أى: مكرّ الليل النهار صدّنا.

فإن قيل: أفهذا تراجع عن قولهم لهم: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ (٤)؟ قيل: لا، ليس بانصراف عن التظلم منهم؛ وذلك أنه وصله بقوله: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ﴾ أى: فكرور الليل والنهار علينا-على إغوائكم إيانا-هو الذى أصارنا إلى النار. وهذا كقول الرجل لصاحبه: أهلكننى والله! فيقول: وكيف ذلك؟ فيقول: فى جوابه مضى أكثر النهار وأنت تضربنى، فيفسره بتقضى الزمان على إساءته إليه.

فإن شئت جعلت ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنا﴾ متعلقة بنفس الكرور، أى: كرورهما فى هذا الوقت.

وإن شئت جعلته حالا من الكرور، أى: كرورهما كائنا فى هذا الوقت، فتجعل طرف النهار حالا من الحدث، كما تجعله خبرا عنه فى نحو قولك: قيامك يوم الجمعة؛ إذ كانت الحال ضربا من الخبر. ومثله من الحال قولك: عجبت من قيامك يوم الجمعة، تعلّق الظرف بمحذوف، أى: من قيامك كائنا فى يوم الجمعة.

وعلى نحو منه قراءة قتادة: «بل مكر الليل والنهار»، فالظرف هنا صفة للحدث، أى: مكر كائن فى الليل والنهار. وإن شئت علقتهما بنفس «مكر»، كقولك: عجبت