زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني
( «عَقَلْتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي فِيَّ وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ» ) . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِنَّمَا يُخَيَّرُ لِسَبْعٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وأحمد وإسحاق ﵏، وَاحْتُجَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّخْيِيرَ يَسْتَدْعِي التَّمْيِيزَ وَالْفَهْمَ، وَلَا ضَابِطَ لَهُ فِي الْأَطْفَالِ، فَضُبِطَ بِمَظِنَّتِهِ وَهِيَ السَّبْعُ، فَإِنَّهَا أَوَّلُ سِنِّ التَّمْيِيزِ؛ وَلِهَذَا جَعَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ حَدًّا لِلْوَقْتِ الَّذِي يُؤْمَرُ فِيهِ الصَّبِيُّ بِالصِّلَاةِ.
وَقَوْلُكُمْ: إِنَّ الْأَحَادِيثَ وَقَائِعُ أَعْيَانٍ، فَنَعَمْ هِيَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ يَمْتَنِعُ حَمْلُهَا عَلَى تَخْيِيرِ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِي بَعْضِهَا لَفْظُ " غُلَامٌ "، وَفِي بَعْضِهَا لَفْظُ " صَغِيرٌ لَمْ يَبْلُغْ "، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[الِاخْتِلَافُ فِي قِصَّةِ بِنْتِ حَمْزَةَ]
فَصْلٌ وَأَمَّا قِصَّةُ بِنْتِ حمزة، وَاخْتِصَامُ علي وزيد وجعفر ﵃ فِيهَا، وَحُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَا لجعفر، فَإِنَّ هَذِهِ الْحُكُومَةَ كَانَتْ عَقِيبَ فَرَاغِهِمْ مِنْ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ تَبِعَتْهُمُ ابْنَةُ حمزة تُنَادِي يَا عَمُّ يَا عَمُّ، فَأَخَذَ علي بِيَدِهَا، ثُمَّ تَنَازَعَ فِيهَا هُوَ وجعفر وزيد، وَذَكَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ تَرْجِيحًا، فَذَكَرَ زيد أَنَّهَا ابْنَةُ أَخِيهِ لِلْمُؤَاخَاةِ الَّتِي عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حمزة، وَذَكَرَ علي كَوْنَهَا ابْنَةَ عَمِّهِ، وَذَكَرَ جعفر مُرَجِّحَيْنِ: الْقَرَابَةَ، وَكَوْنَ خَالَتِهَا عِنْدَهُ، فَتَكُونُ عِنْدَ خَالَتِهَا، فَاعْتَبَرَ النَّبِيُّ ﷺ مُرَجِّحَ جعفر دُونَ مُرَجِّحِ الْآخَرَيْنِ، فَحَكَمَ لَهُ، وَجَبَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَطَيَّبَ قَلْبَهُ بِمَا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَخْذِ الْبِنْتِ.
فَأَمَّا مُرَجِّحُ الْمُؤَاخَاةِ فَلَيْسَ بِمُقْتَضٍ لِلْحَضَانَةِ، وَلَكِنَّ زيدا كَانَ وَصِيَّ حمزة، وَكَانَ الْإِخَاءُ حِينَئِذٍ يَثْبُتُ بِهِ التَّوَارُثُ، فَظَنَّ زيد أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا لِذَلِكَ.
وَأَمَّا مُرَجِّحُ الْقَرَابَةِ هَاهُنَا وَهِيَ بُنُوَّةُ الْعَمِّ، فَهَلْ يُسْتَحَقُّ بِهَا الْحَضَانَةُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: يُسْتَحَقُّ بِهَا وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ مالك، وأحمد، وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ، وَلَهُ وِلَايَةٌ بِالْقَرَابَةِ، فَقُدِّمَ عَلَى الْأَجَانِبِ كَمَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ