بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
وبطريقتِهِ، فما كانوا يكثرون الكلام، ولذلك نقل -أظنه- عن ابن مسعودٍ أنه قال: "لو أرَادوا لملأوا الدنيا كلامًا! ".
وأَشار إلى أن: "مَنْ كَانَ مستنًّا، فليستنَّ بما قد مات؛ فإن الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة؛ أولئك كانوا أصحاب رسول اللّه ﷺ؛ أبر الأمة قلوبًا، وأعْمَقها علمًا، وأقلها تكلفًا" (١).
وكلام ابن القيم ﵀ في هذا المعنى كثير لا أريد عرضه كله، فهو موجودٌ في "إعلام الموقعين" (٢) لمَنْ أراد أن يرجع إليه.
وقَدْ ذَكَره ليُبيِّن فَضْلَ الصَّحابة ﵃؛ فهؤلاء أَثْنَى اللّه عليهم وزكَّاهم في كتابه بقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨].
وزكَّاهم رسوله ﷺ فقال: "لو أنفقَ أحدُنا مثل أُحُدٍ ما بلغ مُدَّ أحَدهم (٣)، ولا نصيفه! " (٤)، وقد شاهدوا التنزيل، وأخذوا العلم من مشكاة النُّبوَّة، وتربَّوا في مدرسة الرسول ﷺ، وكانت إذا نزلت آيةٌ لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فَجَمعوا بين الأمرين؛ العلم والعمل، وقَدْ قال ﷾: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فَكَانوا يتَّقون اللّه في كلِّ أقوالهم وأعمالهم، فَوَهبهم اللّه ﷾ علمًا.