بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
قوله: (وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ (١) إِلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ؛ وَلَمْ يَرَوُا الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ شَيْئًا؛ لَا فِي أَيَّامِ حَيْضٍ، وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَلَا بِأَثَرِ الدَّمِ، وَلَا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "دَمُ الحَيْضِر دَم أَسْوَدُ، يُعْرَفُ" (٢)، وَلأنَّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ لَيْسَتْ بِدَمٍ؛ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ سَائِرِ الرُّطُوبَاتِ الَّتِي تُرْخِيهَا الرَّحِمُ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ حَزْمٍ) (٣).
الإمام ابن حزم له آراء خاصة به، ولا ننكر ما وَهَب اللّه ﷾ ذلكم الرجل من ذكاءٍ وفطنةٍ وعلمٍ ومعرفةٍ بمسالك الفقهاء.
وخير دليلٍ على ذلك: كتابه "المُحلَّى"؛ فهو حقيقةً يَحْوي من الثروة الفقهية ما يجل عن الوصف، وفيه أحاديثُ كثيرة وآثار، وفيه مسائلُ فقهية درسها وناقشها وحرَّرها تحريرًا قَدْ لا تجده في غيره؛ بل أحيانًا قد تبحث عن بعض المسائل فلا تجدها مستقصاةً مستوفاةً إلا في ذلك الكتاب، فهو من الكتب التي يُسْتفاد بها، لكنه لا يخلو حقيقةً من مثالبَ (٤) ومآخذَ، فلَا يَنْبغي تتبُّع شواذ ذلك الفقيه، وَما اتَّجه إليه، ولا يَنْبغي التَّسليم لبعض عباراته التي يطلقها نحو بعض الأئمة، وربما إلى جميعهم، فقَدْ كان ابن