تفسير العثيمين: النساء
* قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ [النساء: ١٧٥].
قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ هذه جمعت بين الإيمان والتوكل فقوله: ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ فلم يلجأوا إلى أحد سواه، بل جعلوه ﷿ حمايتهم وبه عصمتهم، إذ لا يعتصمون بأحد سوى الله، ولا يعتمدون ويتوكلون إلا على الله.
وقوله: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ السين في قوله: ﴿سَيُدْخِلُهُمْ﴾ تفيد شيئين: الأول: التحقيق، والثاني: القرب.
أما التحقيق فظاهر، وأما القرب فما أقرب الآخرة من الدنيا! وما بين الإنسان وبين الآخرة إلا أن تخرج روحه من جسده ثم يكون في عالم الآخرة، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀ في "العقيدة الواسطية": يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت.
وقوله: ﴿فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ كلمة ﴿رَحْمَةٍ﴾ يصح أن تكون صفة لله، ويصح أن تكون مخلوقة لله. والمراد هنا: الرحمة المخلوقة؛ لأن الرحمة الصفة لا يمكن أن يدخل الناس فيها، لكن الرحمة المخلوقة هي التي يمكن أن يدخل الناس فيها؛ ولهذا قال: ﴿فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾، و"من" هنا ليست للتبعيض ولكنها للإبتداء؛ أي: رحمة كائنة منه.