Skip to content

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Printed page ٥/ ٥٠٩

يَجْعَلْهُ الشَّارِعُ نِصَابًا لِعَدَمِ ضَبْطِهِ وَالْعِلْمِ بِهِ.

قَالَ أَصْحَابُ الثَّلَاثِ: قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ» ، وَعَنْ أم الفضل بنت الحارث قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَانِ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ الْوَاحِدَةُ؟ قَالَ: لَا» . وَهَذِهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ، رَوَاهَا مسلم فِي " صَحِيحِهِ "، فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهَا فَأَثْبَتْنَا التَّحْرِيمَ بِالثَّلَاثِ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَنَفَيْنَا التَّحْرِيمَ بِمَا دُونَهَا بِصَرِيحِ السُّنَّةِ قَالُوا: وَلِأَنَّ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَدُ وَالتِّكْرَارُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الثَّلَاثُ. قَالُوا: وَلِأَنَّهَا أَوَّلُ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ، وَقَدِ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ جِدًّا.

قَالَ أَصْحَابُ الْخَمْسِ: الْحُجَّةُ لَنَا مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، وَقَدْ أَخْبَرَتْ عائشة ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، قَالُوا: وَيَكْفِي فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لسهلة بنت سهيل: «أَرْضِعِي سالما خَمْسَ رَضَعَاتٍ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» . قَالُوا: وعائشة أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِحُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هِيَ وَنِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَتْ عائشة ﵂ إِذَا أَرَادَتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا أَحَدٌ أَمَرَتْ إِحْدَى بَنَاتِ إِخْوَتِهَا أَوْ أَخَوَاتِهَا فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ. قَالُوا: وَنَفْيُ التَّحْرِيمِ بِالرَّضْعَةِ وَالرَّضْعَتَيْنِ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ تَعْلِيقِ التَّحْرِيمِ بِقَلِيلِ الرَّضَاعِ وَكَثِيرِهِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ بَعْضُهَا خَرَجَ جَوَابًا لِلسَّائِلِ، وَبَعْضُهَا تَأْسِيسُ حُكْمٍ مُبْتَدَأٍ. قَالُوا: وَإِذَا عَلَّقْنَا التَّحْرِيمَ بِالْخَمْسِ، لَمْ نَكُنْ قَدْ خَالَفْنَا شَيْئًا مِنَ النَّصُوصِ الَّتِي اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَا، وَإِنَّمَا نَكُونُ قَدْ قَيَّدْنَا مُطْلَقَهَا بِالْخَمْسِ، وَتَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ بَيَانٌ لَا نَسْخٌ وَلَا تَخْصِيصٌ.

وَأَمَّا مَنْ عَلَّقَ التَّحْرِيمَ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَإِنَّهُ يُخَالِفُ أَحَادِيثَ نَفْيِ التَّحْرِيمِ