Skip to content

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Printed page ٥/ ٤٨٠

بَلِ السُّنَّةُ بِيَدِ فاطمة بنت قيس قَطْعًا، وَمَنْ لَهُ إِلْمَامٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَشْهَدُ شَهَادَةَ اللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ عمر ﵁ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ، وعمر كَانَ أَتْقَى لِلَّهِ وَأَحْرَصَ عَلَى تَبْلِيغِ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ السُّنَّةُ عِنْدَهُ ثُمَّ لَا يَرْوِيهَا أَصْلًا وَلَا يُبَيِّنُهَا وَلَا يُبَلِّغُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

وَأَمَّا حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبراهيم عَنْ عمر ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ( «لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ» ) فَنَحْنُ نَشْهَدُ بِاللَّهِ شَهَادَةً نُسْأَلُ عَنْهَا إِذَا لَقِينَاهُ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى عمر ﵁ وَكَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْمِلَ الْإِنْسَانَ فَرْطُ الِانْتِصَارِ لِلْمَذَاهِبِ وَالتَّعَصُّبِ لَهَا عَلَى مُعَارَضَةِ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ بِالْكَذِبِ الْبَحْتِ، فَلَوْ يَكُونُ هَذَا عِنْدَ عمر ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَخَرِسَتْ فاطمة وَذَوُوهَا وَلَمْ يَنْبِسُوا بِكَلِمَةٍ، وَلَا دَعَتْ فاطمة إِلَى الْمُنَاظَرَةِ، وَلَا احْتِيجَ إِلَى ذِكْرِ إِخْرَاجِهَا لِبَذَاءِ لِسَانِهَا، وَلَمَا فَاتَ هَذَا الْحَدِيثُ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ وَالْمُصَنِّفِينَ فِي السُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ الْمُنْتَصِرِينَ لِلسُّنَنِ فَقَطْ لَا لِمَذْهَبٍ وَلَا لِرَجُلٍ، هَذَا قَبْلَ أَنْ نَصِلَ بِهِ إِلَى إبراهيم، وَلَوْ قُدِّرَ وُصُولُنَا بِالْحَدِيثِ إِلَى إبراهيم لَانْقَطَعُ نُخَاعُهُ؛ فَإِنَّ إبراهيم لَمْ يُولَدْ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ عمر ﵁ بِسِنِينَ، فَإِنْ كَانَ مُخْبِرٌ أَخْبَرَ بِهِ إبراهيم عَنْ عمر ﵁ وَحَسَّنَا بِهِ الظَّنَّ، كَانَ قَدْ رَوَى لَهُ قَوْلَ عمر ﵁ بِالْمَعْنَى، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ الَّذِي حَكَمَ بِثُبُوتِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ، حَتَّى قَالَ عمر ﵁ لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، فَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ صَالِحًا وَيَكُونُ مُغَفَّلًا لَيْسَ تَحَمُّلُ الْحَدِيثِ وَحِفْظُهُ وَرِوَايَتُهُ مِنْ شَأْنِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

وَقَدْ تَنَاظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَذَكَرَ لَهُ ميمون خَبَرَ فاطمة فَقَالَ سعيد: (تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتِ النَّاسَ، فَقَالَ لَهُ ميمون: لَئِنْ كَانَتْ إِنَّمَا أَخَذَتْ بِمَا أَفْتَاهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا فَتَنَتِ النَّاسَ، وَإِنَّ لَنَا فِي