زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا خَبَرٌ مَشْهُورٌ مِنْ وُجُوهٍ مُنْقَطِعَةٍ وَمُتَّصِلَةٍ، تَلَقَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ، وَزَوْجَةُ عمر أُمُّ ابْنِهِ عاصم: هِيَ جميلة ابنة عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري.
قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عمر كَانَ مَذْهَبُهُ فِي ذَلِكَ خِلَافَ أبي بكر، وَلَكِنَّهُ سَلَّمَ لِلْقَضَاءِ مِمَّنْ لَهُ الْحُكْمُ وَالْإِمْضَاءُ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي خِلَافَتِهِ يَقْضِي بِهِ وَيُفْتِي، وَلَمْ يُخَالِفْ أبا بكر فِي شَيْءٍ مِنْهُ مَا دَامَ الصَّبِيُّ صَغِيرًا لَا يُمَيِّزُ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَذَكَرَ عبد الرزاق، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (طَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ امْرَأَتَهُ الْأَنْصَارِيَّةَ أُمَّ ابْنِهِ عاصم، فَلَقِيَهَا تَحْمِلُهُ بِمُحَسِّرِ، وَقَدْ فُطِمَ وَمَشَى، فَأَخَذَ بِيَدِهِ لِيَنْتَزِعَهُ مِنْهَا، وَنَازَعَهَا إِيَّاهُ حَتَّى أَوْجَعَ الْغُلَامَ وَبَكَى، وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِابْنِي مِنْكِ، فَاخْتَصَمَا إِلَى أبي بكر، فَقَضَى لَهَا بِهِ وَقَالَ: رِيحُهَا وَفِرَاشُهَا وَحِجْرُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْكَ حَتَّى يَشِبَّ وَيَخْتَارَ لِنَفْسِهِ) . وَمُحَسِّرٌ: سُوقٌ بَيْنَ قُبَاءَ وَالْمَدِينَةِ.
وَذُكِرَ عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عاصم، عَنْ عكرمة قَالَ: (خَاصَمَتِ امْرَأَةُ عمر عمر إِلَى أبي بكر ﵁، وَكَانَ طَلَّقَهَا، فَقَالَ أبو بكر ﵁: الْأُمُّ أَعْطَفُ، وَأَلْطَفُ، وَأَرْحَمُ، وَأَحْنَى، وَأَرْأَفُ، هِيَ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ.)
وَذُكِرَ عَنْ معمر قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: إِنَّ أبا بكر قَضَى عَلَى عمر فِي ابْنِهِ مَعَ أُمِّهِ، وَقَالَ: (أَمُّهُ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ)
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ: هَلْ كَانَتِ الْمُنَازَعَةُ وَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُمِّ