بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
والصحيح أن الشافعيَّة ما احتاروا وما فرُّوا، فكم ذكروا وقالوا: إن الذي ثبت عن الرسول ﷺ هو إزالة النجاسة بالماء، ولم يثبت أن أُزيلَت النجاسة بغير الماء إلا فيما ورد النص عليه، كالحجارة في المَخْرَجَيْن بالنسبة للخُفِّ وذَيْل المرأة؛ إذن ثبت عن الرَّسُول ﷺ في أحاديث عدة كحديث أسماء وغيرها إزالة النجاسة بالماء، وَفِي حديث الأعرابي ثبت ذلك في البدن، وفي الثوب، وفي موضع الصلاة.
إذًا، كلُّ ذلك أُزيلَت النجاسة فيه بالمَاء، ولم يثبت أنْ أُزِيلَتْ النجاسة بماءٍ غير الماء، إذًا هذا الكلام الذي يقوله المؤلف أنَّ الحنفية دار حوار بينهم وبين الشافعية، وأن الشافعية لما ضاقت عليهم المسالك فرُّوا وحاروا وما أجابوا؛ فلا.
قوله: (إِذْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُعْطُوا فِي ذَلِكَ سَبَبًا مَعْقُولًا، حَتَّى إِنَّهُمْ سَلَّمُوا أَنَّ المَاءَ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بِمَعْنًى مَعْقُولٍ، وَإِنَّمَا إِزَالَتُهُ بِمَعْنًى شَرْعِيٍّ حُكْمِيٍّ، وَطَالَ الخَطْبُ وَالجَدَلُ بَيْنَهُمْ: هَلْ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِالمَاءِ عِبَادَةٌ أَوْ مَعْنًى مَعْقُولٌ (١)، خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ) (٢).