تفسير العثيمين: النساء
ذكر حالًا ذكر ما يضادها، إذا ذكر عقوبة ذكر المثوبة؛ لأنه مثاني تثنى فيه المعاني، فيؤتى بهذا ثم بهذا, ولأن التنويع مما يشد النفس والذهن إلى ما يتلى أو يسمع؛ ولأجل أن يكون سير الإنسان إلى الله ﷿ بين طرفي النقيض: الإفراط والتفريط؛ لأن الإنسان لو غلب جانب الرجاء لحصل له الأمن من مكر الله، ولو غلب جانب الخوف لحصل عليه القنوط واليأس من رحمة الله.
قول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الإيمان بالله سبق عدة مرات ماذا يتضمن، والإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام كذلك، فإنه يقتضي الإيمان بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله ﷿، وأما الإيمان بشرائعهم فإن الشريعة الإِسلامية التي جاء بها محمد ﷺ نسخت جميع الشرائع، لكن نؤمن بأن شرائعهم من عند الله ﷿.
قوله: ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ في أصل الإيمان لا في العمل، ففي أصل الإيمان نؤمن بالجميع، وأنهم كلهم رسالتهم حق من عند الله، أما العمل فقد قال الله ﵎: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ووجه ذلك: أن أصل الإيمان شيء واحد، وهو الإيمان بالواحد القهار ﷿، وأما الشرائع فإنها تختلف باختلاف الناس وأحوالهم، والعموم والخصوص، فلهذا جعل الله لكل ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ حتى الشريعة الإِسلامية في أول أمرها ليست كالشريعة الإِسلامية في آخر الأمر، ففي أول الأمر ليس هناك صوم، ولا زكاة، ولا حج، ثم فرضت الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة؛ لأن الله ﷿ يشرع الشرائع حسب ما يليق بأحوال الناس.