تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
[وقد يستعمل الريب في التهمة؛ قال جميل (١):
بثينة قالت: يا جميل أربتني … فقلت كلانا يا بثين مريب
واستعمل أيضًا في الحاجة، كما قال بعضهم (١):
قضينا من تهامة كل ريب … وخيبر ثم (أجمعنا) (٢) السيوفا] (٣)
ومعنى الكلام (هنا) (٤) أنه هذا الكتاب، وهو القرآن لا شكَّ فيه أنه (منزل) (٥) من عند الله، كما قال (تعالى) (٦) في السجدة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.
[وقال بعضهم: هذا خبر، ومعناه النهي؛ أي: لا ترتابوا فيه] (٣).
ومن القراء من يقف على قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ﴾ ويبتدئ بقوله تعالى: ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ والوِقف على (قوله تعالى) (٧): ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أولى للآية التي ذكرناها، ولأنه يصير قوله تعالى: ﴿هُدًى﴾ صفة للقرآن؛ وذلك أبلغ من (كون) (٨) ﴿فِيهِ هُدًى﴾.
وهدًى: يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعًا على النعت، ومنصوبًا على الحال، وخصت الهداية للمتقين، كما قال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنَّهُ هو في نفسه هدىً، ولكن لا يناله إلا الأبرار؛ كما قال (تعالى) (٩): ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧].
وقد قال السُّدي (١٠)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مُرَّةَ الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني: نورًا للمتقين.
وقال الشعبي: هدى من الضلالة (١١).
وقال سعيد بن جبير: تبيان للمتقين، وكل ذلك صحيح. وقال السدي (١٢): عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس. وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب