Skip to content

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Printed page ٢/ ٩٤١

والاستدبار في الصحاري، ولا يمنع ذلك في الأبنية، وإليه ذهب مالك والشافعي.

قوله: (وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ؛ رَجَّحَ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ حَدِيثَانِ، أَحَدُهُمَا: فِيهِ شَرْعٌ مَوْضُوعٌ، وَالآخَرُ: مُوَافِقٌ لِلأَصْلِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الحُكْمِ، وَلَمْ يُعْلَمِ المُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا مِنَ المُتَأَخِّرِ -وَجَبَ أَنْ يُصَارَ إِلَى الحَدِيثِ المُثْبِتِ لِلشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ العَمَلُ بِنَقْلِهِ مِنْ طَرِيقِ العُدُولِ، وَتَرْكهُ الَّذِي وَرَدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ العُدُولِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ شَرْعِ ذَلِكَ الحُكْمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَتْرُكَ شَرْعًا وَجَبَ العَمَلُ بِهِ بظَنِّ لَمْ نُؤْمَرْ أَنْ نُوجِبَ النَّسْخَ بِهِ إِلَّا لَوْ نُقِلَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَهُ، فَإِنَّ الظُّنُونَ الَّتِي تَسْتَنِدُ إِلَيْهَا الأَحْكَامُ مَحْدُودَةٌ بِالشَّرْعِ، -أَعْنِي الَّتِي تُوجِبُ رَفْعَهَا أَوْ إِيجَابَهَا- وَلَيْسَتْ هِيَ أَيُّ ظَنٍّ اتَّفَقَ، وَلذَلِكَ يَقُولُونَ: إِنَّ العَمَلَ بِمَا لَمْ يَجِبْ بِالظَّنِّ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالأَصْلِ المَقْطُوعِ بِهِ، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الشَّرْعَ المَقْطُوعَ بِهِ الَّذِي أَوْجَبَ العَمَلَ بِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الظَّنِّ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي قُلْنَاهَا هِيَ طَرِيقَةُ أَبِي مُحَمَّدِ ابْنِ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيِّ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ جَيِّدَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الكَلَامِ الفِقْهِيِّ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ مَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ).

يُشبه أن يكون قد بلغ ابنَ عمر قولُ أبي أيوب الأنصاري؛ فإنه كان يرى النهي في ذلك عامًّا في الصحاري والأبنية، وإليه كان يذهب سفيان الثوري من الفقهاء.

قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الرُّجُوعِ إِلَى الأَصْلِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الشَّكَّ يُسْقِطُ الحُكْمَ وَيَرْفَعُهُ، وَأَنَّهُ كَلَا حُكْمٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَلَكِنَّهُ خَالَفَهُ أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ حَزْمٍ فِي هَذَا الأَصْلِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِهِ).