بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
قوله: (قَالُوا: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ الذُّبَابِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ عِلَّةٌ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ ذِي دَمٍ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَعِنْدَهُ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالذُّبَابِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "فَاِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ: دَاءً، وَفِي الأُخْرَى: دَوَاءً") (١).
عَرَفنا الفريق الَّذينَ استثنوا ما لا نفسَ له سائلة، سوَاء اسْتَثْنوه مع غيره، والمالكية والشَّافعية وَحْده، وهؤلاء يَروْن أن العلة في كون الذُّباب لم ينجس هو أنه لا دمَ له؛ لذلك فما لا نفس له سائلة علةُ عدم تنجيسه: لعدم وجود الدم، وإن وُجِدَ فإنه قليل النَّزر لا يعتبر؛ فالعلة في عدم تنجيس الذباب وما شابهه للإناء أنه لا نفسَ له سائلة، أيْ: لا يوجد فيه دمٌ يسيل، فهو قَليلٌ ومَعْفُوٌّ عنه.
وَالشَّافعية قالوا: لَيْست هي العلة، وإنما العلة بيَّنها الرسول ﷺ، وهي أنها خاصية يختص بها الذباب؛ لأن في أحد جناحيه: داءً، وفي الآخر: دواء، وقالوا أيضًا: إنما عفونا عن ذلك وقلنا بالتجاوز عنه؛ لأن ذلك مما تعم به البلوى، وليس كما ذكر المؤلف على الإطلاق.
قوله: ("وَوَهَّنَ الشَّافِعِيُّ هَذَا المَفْهُومَ مِنَ الحَدِيثِ بِأَنَّ ظَاهِرَ الكِتَابِ يَقْتَضِي أَنَّ المَيْتَةَ وَالدَّمَ نَوْعَان مِنْ أَنْوَاعِ المُحَرَّمَاتِ).
وَهَّن الشافعي، أي: ضعَّفه، وما ذكر المؤلف فَهُم المالكية والحنابلة ومَنْ معهم، وقال: ليس المفهوم من الحديث هو أنه لا نفسَ له سائلة، وإنما هناك علة أُخرى، وسَيُوَازن بعد ذلك.