بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
وَمَع ذلك، رأينا في الحج أن الإنسان إنْ كان عليه دَين، فليس له أن يحج حتى وإنْ أذن له غيره؛ فالسبب في ذلك أن الدَّين متعين على الإنسان، والحج لا يجب إلا بالاستطاعة، كما أمر اللَّه ﷾: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، والذي عليه دَين يجب عليه أن يوفي هذا الدَّين، وهو في هذه الحال غير مستطيع للحج، فلا يلزمه الحج؛ لأنه مدين، لكن الجهاد يختلف عنه، فمن كان عليه دَين، فإن أذن له غريمه؛ فإنه يُسَافر للجهاد.
واختلفوا في الحجِّ، فلو جَعَل كفيلًا يقوم على هذا الدَّين؛ فله أن يجاهد (١)، أما لو كان عنده مال يستطيع أن يسدد به هذا الدَّين لو كان هذا الدَّين لم يحل بعد؛ فلَه أن يسافر مجاهدًا في سبيل اللَّه.
فَاختَلفت الصُّور هنا، فنجد أن الدَّين يمنع من الجهاد إذا لم يأذن الغريم؛ لأنَّ الدَّين أمره عظيم، ولو لم يرد فيه إلا حديث رسول اللَّه ﷺ وهو: بينما كان رسول اللَّه ﷺ يخطب أصحابه ذات يوم، فيبيِّن لهم ﷺ أن أفضل الأعمال الإيمان باللَّه ﷾، ثم الجهاد، ثم يقوم رجل فيقول: يا رسول اللَّه، أيكفِّر اللَّه عني خطاياي إن قاتلتُ في سبيل اللَّه؟ فيقول له رسول اللَّه ﷺ: "نعم، إن قاتلتَ صابرًا محتسبًا"؛ أي: صابرًا على القتال، محتسبًا ذلك في سبيل اللَّه، ثم يكرِّر عليه السؤال فيقول: "كيف قلت؟ "، فيقول: أرأيت يا رسول اللَّه لو أنِّي قَاتَلتُ في سبيل اللَّه، أيكفِّر اللَّه عني خطاياي؟ فيقول له رسول اللَّه ﷺ: "نعم، إن قاتلت صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا الدَّين" (٢).