Skip to content

ذم الهوى فصل فإن قال قائل قد كبرت جنايتي على نفسي وكررت النظر وانتقشت

ذم الهوى

ابن الجوزي

Printed page ٥٩١

اعْلَمْ أَنَّ الْخَيَالَ الَّذِي وَقَعَ لَكَ مِنْ أَنَّ التَّزَاوُرَ وَالنَّظَرَ يَشْفِي بَعْضَ الْمَرَضِ خَيَالٌ فَاسِدٌ

فَإِنْ قُلْتَ فَأَرَانِي أَسْكُنُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ

فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَسْكُنُ الْوِجْدُ لِمَكَانِ الْقُرْبِ فَإِذَا وَقَعَ الْبُعْدُ زَادَتْ نَارُ الشَّوْقِ اشْتِعَالا فَأَنْتَ فِي ضَرْبِ الْمَثَلِ كَالْعَطْشَانِ شَرِبَ الْخَمْرَ فَإِنَّهُ يَجِدُ رُطُوبَةَ الرَّيِّ عِنْدَ تَجَرُّعِهَا ثُمَّ تُلْهِبُهُ فَتَزِيدُ الْعَطَشَ

فَكَذَلِكَ قُرْبُ الْعَاشِقِ مِنْ مَعْشُوقِهِ يَضُمُّ جُرْحًا إِلَى جُرْحٍ وَعَقْرًا إِلَى عَقْرٍ وَكُلَّمَا زَادَتِ الأَسْبَابُ الظَّاهِرَةُ قَوِيَتِ الْمَحَبَّةُ فِي الآلاتِ الْبَاطِنَةِ فَعَمِلَتْ سُمُومُهَا فِي الْمُقَاتِلِ وَالْمَقْتُولُ لَا يَرَى الْقَاتِلَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ

قبلتها أشتفى بقبلتها ... فزادني ذَاك ألما ألما

وسائلتني عَنْ مُبْتَدَا سَقَمِي ... مُسْقِمُ جَفْنَيْكَ مُسْقِمِي بِهِمَا وَقَالَ الآخَرُ

أُعَانِقُهَا وَالنَّفْسُ بَعْدُ مَشُوقَةٌ ... إِلَيْهَا وَهَلْ بَعْدَ الْعَنَاقِ تَدَانِي

وَأَلْثُمُ فَاهَا كَيْ تَزُولَ صَبَابَتِي ... فَيَزْدَادُ مَا أَلْقَى مِنَ الْهَيَمَانِ

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْكَاتِبُ

يَقُولُونَ لَوْ لاقَيْتَهَا سَكَنَ الَّذِي ... بِقَلْبِكَ يَا مُشْتَاقُ وَانْقَطَعَ الْحَزَنْ

فَهَا أَنَا قَدْ لاقَيْتُهَا مِثْلَ قَوْلِهِمْ ... لِيَسْكُنَ قَلْبِي بِاللِّقَاءِ فَمَا سَكَنْ

وَقَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ

نَعِمَتْ بِهَا عَيْنِي فَطَالَ عَذَابُهَا ... وَلَكَمْ عَذَابٌ قَدْ جَنَاهُ نَعِيمُ

نَظَرَتْ فَأَقْصَدَتِ الْفُؤَادَ بِسَهْمِهَا ... ثُمَّ انْثَنَتْ نَحْوِي فَكِدْتُ أَهِيمُ

وَيْلاهُ إِنْ نَظَرَتْ وَإِنْ هِيَ أَعْرَضَتْ ... وَقْعُ السِّهَامِ وَنَزْعُهُنَّ أَلِيمُ