Skip to content

ذم الهوى فصل ومن أدوية الباطن أن يعلم أن الابتلاء لظهور جواهر الرجال

ذم الهوى

ابن الجوزي

Printed page ٦٦٢

وَلَكِنْ تَلَمَّحْ أَنْتَ عَوَاقِبَ مَنْ صَبَرَ وَمَنْ لَمْ يَصْبِرْ وَأَعْمِلْ فِكْرَكَ فِي الْحَالَتَيْنِ لَعَلَّ هَذِهِ الْعِبْرَةِ تَخْرِقُ حِجَابَ الْهَوَى فَتَدْخُلَ عَلَى الْقَلْبِ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَتَكْشِفَ هَذِهِ الْغُمَّةَ فَالْعَاقِلُ مَنْ وَزَنَ مَا يَحْتَوِي عَلَيْهِ الْعِشْقُ مِنْ لَذَّة ونغصة فنغصه كَثِيرَة وَأَذَاهُ شَدِيدٌ وَهُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ يَهِينُ النَّفْسَ الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا وَغَالِبُ لَذَّاتِهِ مُحَرَّمٌ ثُمَّ هِيَ مَشُوبَةٌ بِالْغُمُومِ وَالْهُمُومِ وَخَوْفِ الْفِرَاقِ وَفَضِيحَةِ الدُّنْيَا وَحَسَرَاتِ الآخِرَةِ فَيَعْلَمَ الْمُوَازِنُ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ أَنَّ اللَّذَّةَ مَغْمُورَةٌ فِي جَنْبِ الأَذَى قَالَ الْبَبَّغَاءُ

وَأَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَرْتَكِبْ سَبَبًا ... حَتَّى يُمَيِّزَ مَا تَجْنِي عَوَاقِبُهُ

وَقَالَ الْمُتَنَبِّي

مِمَّا أَضَرَّ بِأَهْلِ الْعِشْقِ أَنَّهُمُ ... هَوُوا وَمَا عَرَفُوا الدُّنْيَا وَلا فَطِنُوا

تَفْنَى عُيُونُهُمُ دَمْعًا وَأَنْفُسُهُمْ ... فِي إِثْرِ كُلِّ قَبِيحٍ وَجْهُهُ حَسَنُ

تَحَمَّلُوا حَمْلَتَكُمْ كُلُّ نَاجِيَةٍ ... فَكُلُّ بَيْنٍ عَلِيَّ الْيَوْمَ مُؤْتَمِنُ

مَا فِي هَوَادِجِكُمْ مِنْ مُهْجَتِي عِوَضٌ ... إِنْ مِتُّ شَوْقًا وَلا فِيهَا لَهَا ثَمَنُ

سَهِرْتُ بَعْدَ رَحِيلِي وَحْشَةً لَكُمْ ... ثُمَّ اسْتَمَرَّ مَرِيرِي وَارْعَوَى الْوَسَنُ

فَصْلٌ وَمِنْ أَدْوِيَةِ الْبَاطِنِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الابْتِلاءَ لِظُهُورِ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ

فَرُبَّمَا كَانَ ابْتِلاؤُكَ لِيَنْظُرَ إِلَى صَبْرِكَ فَإِنَّ صَبَرْتَ فَرُبَّمَا نَقَلَكَ إِلَى مَحَبَّتِهِ