Skip to content

ذم الهوى الباب الأربعون في ذكر الحيل والمخاطرات بالنفوس وإلقائها في الهلاك لأجل

ذم الهوى

ابن الجوزي

Printed page ٣٦٤

أَنَّ الْقَلِيلَ مَعَ الإِصْلاحِ كَثِيرٌ وَالْكَثِيرُ مَعَ الْفَسَادِ قَلِيلٌ فَالْزَمِ السُّوقَ وَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُهَا وَآخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَدْخُلَهَا سَحَرًا بِلَيْلٍ فَافْعَلْ فَإِنَّكَ تَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ فَوَائِدَ تَكْشِفُهَا لَكَ الأَيَّامُ

وَمَاتَ فَأَنْفَذْتُ وَصِيَّتَهُ وَعَمِلْتُ بِمَا أَشَارَ بِهِ وَكُنْتُ أَدْخُلُ السُّوقَ سَحَرًا وَأَخْرُجُ مِنْهُ عَشِيًا فَلا أُعْدَمُ مَنْ يَجِيئُنِي يَطْلُبُ كَفَنًا فَلا يَجِدُ مَنْ فَتَحَ غَيْرِي فَأَحْكُمُ عَلَيْهِ وَمَنْ يَبِيعُ شَيْئًا وَالسُّوقُ لَمْ يَقُمْ فَأَبِيعُهُ لَهُ وَأَشْيَاءَ مِنْ صِنْفِ هَذِهِ الْفَوَائِدِ

وَمَضَى عَلَى لُزُومِي السُّوقَ سَنَةٌ وَكَسْرُ فَصَارَ لِي بِذَلِكَ جَاهٌ عِنْدَ أَهْلِهَا وَعَرَفُوا اسْتِقَامَتِي فَأَكْرَمُونِي فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ يَوْمًا وَلَمْ يَتَكَامَلَ السُّوقُ إِذَا بِامْرَأَةٍ رَاكِبَةٍ حِمَارًا مِصْرِيًّا وَعَلَى كَفَلِهِ مِنْدِيلٌ دَبِيقِيٌّ وَخَادِمٌ وَهِيَ بِزِيِّ الْقَهْرَمَانَةِ فَبَلَغَتْ آخِرَ السُّوقِ ثُمَّ رَجَعَتْ فَنَزَلَتْ عِنْدِي فَقُمْتُ إِلَيْهَا وَأَكْرَمْتُهَا وَقُلْتُ لَهَا مَا تَأْمُرِينَ وَتَأَمَّلْتُهَا فَإِذَا بِامْرَأَةٍ لَمْ أَرَ قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا إِلَى الآنَ أَحْسَنَ مِنْهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ فَتَكَلَّمَتْ وَقَالَتْ أُرِيدُ كَذَا وَأُرِيدُ كَذَا ثِيَابًا طَلَبَتْهَا فَسَمِعْتُ نَغَمَةً وَرَأَيْتُ شَكْلا قَتَلَنِي وَعِشْقُتَهَا فِي الْحَالِ أَشَدَّ الْعِشْقِ وَقُلْتُ اصْبِرِي حَتَّى يَخْرُجَ النَّاسُ فَآخُذَ لَكَ ذَلِكَ فَلَيْسَ عِنْدِي إِلا الْقَلِيلُ مِمَّا يَصْلُحُ لَكِ وَأَخْرَجْتُ الَّذِي كَانَ عِنْدِي

فَجَلَسَتْ تُحَادِثُنِي وَالسَّكَاكِينُ فِي فُؤَادِي مِنْ عِشْقِهَا وَكَشَفَتْ عَنْ أَنَامِلَ رَأْيُهَا كَالطَّلْعِ وَوَجْهٍ كَدَارَةِ الْقَمَرِ فَقُمْتُ لِئَلا يَزِيدَ عَلَيَّ الأَمْرُ وَأَخَذْتُ