منازل القرآن في الوقوف
باب في فضل الذي يقرأ القرآن ويعرف الوقوف، وذم الذي يقرؤه ولا يعرفها
اعلم أن حاجة القارئ إلى المعرفة بمواضع الوقف أشد من حاجته إلى حفظ القرآن وإزالته اللحن؛ لما في الوقف من تغيير المعنى (١)، ورأيت قراء وقتنا يجهلون مواضع الوقف؛ لقلة تصرفهم بالمعنى، وضعف معرفتهم بالمنفصل الذي يجب الوقف عليه، والمتصل الذي لا يحسن السكت عليه (٢).
واعلم أن الوقوف أدب يستعمله الحذاق في القرآن، وحلية القراء، وتدبر القرأة، واستنباط وإبانة الفضل، واتباع السنة، وابتغاء مرضات الرب، واستروح النفس، وبها يوجد حلاوة القرآن ولذاته أكثر (٣).
وكان عبد الله بن مسعود يقول: «يسمى الوقوف منازل القرآن» (٤).
قلت: ومعنى قول ابن مسعود بما سماه: منازل القرآن أن مراده بذلك - إن شاء الله - أن القارئ إذا أراد [يقرأ] (٥) القرآن، ويعرف وقوفه فهو بمنزلة المسافر الذي يعرف الطريق ومنازله؛ فإذا عرف منزله لا يخاف أن يبقى في الطريق قبل أن يبلغ مقصده، وهو بمنزلة رب البيت الذي يبصر بمكانه، ومواضعه فيه، وموضع متاعه أين وضعه؛ فمتى دخل فيه في ليلة ظلماء يبصر بمتاعه ويأخذ في الحال، ومثل الذي يقرأ القرآن ولا يعرف الوقوف فمثله كمثل الأعمى الذي يمشي في الطريق ولا يعرف طريقه ولا يعلم مقصده، ولا يُبصر بشأنه وحاله، وربما يقع في وحل أو في بئر فيهلك في المهلكة، فإذا كان الأمر كذلك فيلزمه أن يتعلم الوقوف