مدارج السالكين - ط عطاءات العلم
يكرهه، وموالاةُ من والاه ومعاداةُ من عاداه؛ وأصلُ ذلك: الحبُّ فيه والبغض فيه. وحظُّ الحقيقة الكونيّة: إفرادُه بالافتقارِ إليه، والاستعانةِ به، والتّوكُّلِ عليه، والالتجاءِ إليه؛ وإفرادُه بالسُّؤالِ والطَّلبِ والتّذلُّلِ له والخضوعِ، والتّحقُّقُ بأنّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يملكُ أحدٌ سواه لهم (١) ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وأنّه مقلِّبُ (٢) القلوب، فقلوبُهم ونواصيهم بيده، وأنّه ما من قلبٍ إلّا وهو بين إصبعَين من أصابعه، إن شاء أن يُقيمه أقامه، وإن شاء أن يُزيغه أزاغه.
فلهذه الحقيقة عبوديّةٌ، ولهذه الحقيقة عبوديّةٌ (٣)، ولا تُبطِل إحداهما الأخرى (٤)، بل لا تتمُّ إلّا بها، ولا تتمُّ العبوديّة إلّا بمجموعهما. وهذا حقيقة قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بخلاف من أبطل حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بحقيقة ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقال: إنّها جمعٌ، و ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فرقٌ. وإذا غلا في هذا المشهد لم يستحسِنْ حسنةً، ولم يستقبِحْ قبيحةً. ويصرِّح بذلك ويقول: العارف لا يستحسن حسنةً ولا يستقبح قبيحةً لاستبصاره بسرِّ القدر (٥).