Skip to content

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Printed page ١/ ٢٣٥

فالاستغراقُ والفناءُ في شهود هذا القدر غايتُه التّحقيقُ لتوحيد الرُّبوبيّة الذي أقرَّ به المشركون ولم يدخلوا به في الإسلام. وإنّما الشّأنُ في توحيد الإلهيّة الذي دعت إليه الرُّسلُ، ونزلت (١) به الكتبُ، وتميَّزَ به أولياءُ الله من أعدائه، وهو أن لا يُعبَد إلّا الله، ولا يُحَبَّ سواه، ولا يُتوكَّلَ على غيره. والفناء في هذا التّوحيد هو فناء خاصَّة المقرَّبين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

فصل

إذا عُرِفَ مرادُ القوم بالفناء، فنذكر أقسامه، ومراتبه، وممدوحه ومذمومه ومتوسِّطه.

فاعلم أنَّ الفَناءَ مصدرُ فنيَ يفنى فَناءً، إذا اضمحلَّ وتلاشى وعُدِمَ. وقد يُطلقَ على ما تلاشت قواه وأوصافه مع بقاء عينه، كما قال الفقهاء: لا يُقتَل في المعركة شيخٌ فانٍ. وقال تعالى: ﴿(٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ [الرحمن: ٢٦] أي هالكٌ ذاهبٌ. ولكنَّ القومَ اصطلحوا على وضع هذه اللّفظة لتجريد شهودِ الحقيقة الكونيّة، والغَيبةِ عن شهود الكائنات.

وهذا الاسم يُطلَق على ثلاثة معانٍ: الفناء عن وجود السِّوى، والفناء عن شهود السِّوى، والفناء عن إرادة السِّوى (٢).