Skip to content

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم التكلف عند أرباب السلوك وأرباب الكلام

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Printed page ٤/ ٤٢٦

يشير إليه؟ إذن فصار (١) المتأخِّرون أربابُ هذه الاصطلاحات الحادثة بالألفاظ المجملة والمعاني المتشابهة أعرفَ بمقامات السالكين ومنازل السّائرين وغاياتها من أعلَمِ الخلق بالله بعد رسله! هذا من أعظم الباطل.

وهؤلاء في باب الإرادة والطلب والسُّلوك نظيرُ أرباب الكلام من المعتزلة والجهميّة ومن سلك سبيلهم في باب العلم والخبر عن الله وأسمائه وصفاته. فالطّائفتان ــ بل وكثيرٌ من المصنِّفين في الفقه ــ من المتكلِّفين أشدَّ التكلُّف. وقد قال الله لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. وقال عبد الله بن مسعودٍ ﵁: من كان منكم مستنًّا فليستنَّ بمن قد مات، فإنَّ الحيَّ لا يؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمّدٍ، أبرُّ هذه الأمّة قلوبًا، وأعمقُها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا. قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيِّه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكُوا بهديهم، فإنّهم كانوا على الهدي المستقيم (٢).

فلا تجد هذا التكلُّف الشديد والتعقيد في الألفاظ والمعاني عند الصَّحابة أصلًا، وإنّما يوجد عند من عدل عن (٣) طريقهم. وإذا تأمّله العارفُ وجَدَه «كلحمِ جملٍ غثٍّ، على رأس جبلٍ وَعْرٍ؛ لا سهلٌ فيرتقَى، ولا سمينٌ