تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
فإنا نعلم أنه رسول الله. قلت: ويحكم، (فأنى) (١) هلكتم؟! قالوا: (إنا لم نهلك) (٢). قلت: كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله (ثم لا تتبعونه) (٣) ولا تصدقونه؟ قا لوا: إن لنا عدوًا من الملائكة وسلمًا من الملائكة؛ وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة. قلت: ومن عدوكم؛ ومن سلمكم؛ قالوا: عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل (٤) قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا. وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة التخفيف ونحو هذا.
قال: قلت: وما منزلتهما من ربهما ﷿؟ قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره. قال: فقلت: فوالذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما. وما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبريل.
قال: ثم قمت. فاتبعت النبي ﷺ، فلحقته وهو خارج من خوخة لبني فلان، فقال: يا ابن الخطاب؛ ألا أقرئك آيات نزلن قبل. فقرأ عليّ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ … ﴾ حتى قرأ (هذه) (٥) الآيات.
قال: قلت: (بأبي وأمي) (٦) يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، لقد جئت وأنا (أريد أن) (٧) أخبرك، وأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر.
وقال ابن أبي حاتم (٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد؛ أنبأنا عامر؛ قال: انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود، فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون محمدًا في كتبكم؟ قالوا: نعم. قال: فما يمنعكم أن تتبوه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولًا إلا جعل له من الملائكة كفلًا، وإن جبريل كفل محمدًا، وهو الذي يأتيه، وهو عدونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا؛ لو كان ميكائيل الذي يأتيه أسلمنا.
قال: فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما منزلتهما عند الله تعالى؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن شماله.
قال عمر: وإني أشهد: ما ينزلان إلا بإذن الله، وما كان ميكائيل ليسالم عدو جبرائيل، وما كان جبرائيل ليسالم عدو ميكائيل.