تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨)﴾ أي: إنما أرهقناه صعودًا؛ أي: قربناه من العذاب الشاق لبعده عن الإيمان لأنه فكر وقدر؛ أي: تروَّى ماذا يقول في القرآن حين سئل عن القرآن ففكر ماذا يختلق من المقال ﴿وَقَدَّرَ﴾ أي: تروَّى
﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دعاء عليه
﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾ أي: أعاد النظرة والتروي
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض بين عينيه وقطب ﴿وَبَسَرَ﴾ أي: كلح وكره، ومنه قول توبة بن الحُميِّر:
وقد رابني منها صدودٌ رأيته … وإعراضها عن حاجتي وبُسُورُها (١)
وقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣)﴾ أي: صرف عن الحق ورجع القهقهرى مستكبرًا عن الانقياد للقرآن
﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾ أي: هذا سحر ينقله محمد عن غيره ممن قبله ويحكيه عنهم، ولهذا قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ أي: ليس بكلام الله، وهذا المذكور في هذا السياق هو الوليد بن المغيرة المخزومي أحد رؤساء قريش لعنه الله، وكان من خبره في هذا ما رواه العوفي عن ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبًا لما يقول ابن أبي كبشة، فواللهِ ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ (٢) الوليد لتصبو قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم ترَ إلى قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألست أكثرهم مالًا وولدًا؟ فقال أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه، فقال الوليد: أقد تحدث به عشيرتي؟ فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر فأنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ إلى قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾ (٣).
وقال قتادة: زعموا أنه قال: واللهِ لقد نظرت فيما قال الرجل فإذا هو ليس بشعر وإن له لحلاوة، وإنه عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وما أشك أنه سحر فأنزل الله: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩)﴾ الآية (٤).
﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢)﴾ قبض ما بين عينيه وكلح.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عباد بن منصور، عن عكرمة، أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رَقَّ له، فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام فأتاه فقال: أي عمّ إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا. قال: