وقال بعض الصوفية: العبادة إما لتحصيل ثواب (ورد) (٢) عقاب؛ قالوا: وهذا ليس بطائل؛ (إذ مقصوده تحصيل مقصوده) (٣) وإما (للتشرف) (٤) بتكاليف الله تعالى؛ وهذا أيضًا عندهم ضعيف؛ بل العالي أن يعبد الله لذاته المقدسة الموصوفة بالكمال؛ قالوا: ولهذا يقول المصلي: أصلي لله، ولو كان لتحصيل الثواب (ودرء العذاب) (٥) لبطلت (صلاته) (٦).
وقد رد ذلك عليهم آخرون، وقالوا: كون العبادة لله ﷿ لا ينافي أن يطلب معها ثوابًا، ولا أن يدفع عذابًا، كما قال ذلك الأعرابي: أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ؛ إنما أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار؛ فقال النبي ﷺ: "حولها ندندن" (٧)] (٨).
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.
[(قراءة الجمهور بالصاد) (٩)، وقرئ السراط؛ وقرئ بالزاي. قال الفراء: وهي لغة بني عذرة وبني كلب] (٨). لما تقدم الثناء على المسؤول ﵎ ناسب أن يعقب بالسؤال؛ كما قال: "فنصفها لي؛ ونصفها لعبدي؛ ولعبدي ما سأل". وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته [وحاجة إخوانه المؤمنين (بقوله) (١٠): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾(١١)] (٨)؛ لأنه أنجح للحاجة؛ وأنجع للإجابة؛ ولهذا أرشد الله إليه؛ لأنه الأكمل؛ وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه، كما قال موسى (﵇) (١٢): ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ