Commentaries: 3 shown of 12 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في هذا الموضعِ عندَنا: وَفِّقْنا للثباتِ عليه. كما رُوِي (٨) ذلك عن ابنِ عباسٍ.
ص ١/ ١٦٦
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: قال جبريلُ لمحمدٍ: قلْ يا محمدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. يقولُ (١): ألْهِمْنا الطريقَ الهاديَ (٢).
وإلهامُه إياه ذلك هو توفيقُه له، كالذي قلْنا في تأويلِه. ومعناه نظيرُ معنى قولِه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. في أنه مسألةُ العبدِ ربَّه التوفيقَ للثباتِ على العملِ بطاعتهِ، وإصابةِ الحقِّ والصوابِ فيما أمَره به ونهاه عنه، فيما يَسْتَقْبِلُ مِن عُمُرِه، دون ما قد مضَى مِن أعمالِه، وتقَضَّى فيما سلَف مِن عمُرِه، كما قولُه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. مسألةٌ منه ربَّه المَعُونةَ على أداءِ ما قد كلَّفه مِن طاعتهِ فيما بقِي مِن عمُرِه. فكان معنى الكلامِ: اللهمَّ إياك نَعْبُدُ وحدَك لا شريكَ لك، مُخْلِصِين لك العبادةَ دونَ ما سواك مِن الآلهةِ والأوثانِ، فأعِنَّا على عبادتِك، ووفِّقْنا لما وفَّقْت له مَن أنْعَمْتَ عليه مِن أنبيائِك وأهلِ طاعتِك، مِن السبُلِ (٣) والمِنْهاجِ.
فإن قال قائلٌ: وأنَّى وجَدْتَ الهدايةَ في كلامِ العربِ بمعنى التوفيقِ؟
[قيل له] (٤): ذلك في كلامِها أكثرُ وأظهرُ مِن أن يُحْصَى عددُ ما جاء عنهم في ذلك مِن الشواهدِ، فمِن ذلك قولُ الشاعرِ (٥):
لا تَحْرِمَنِّي هداك اللَّهُ مَسْألتي … ولا أكُونَنْ كمَن أوْدَى به السَّفَرُ
تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
ابن كثيرd. 774 AHPrinted page: 1/ 208
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.
[(قراءة الجمهور بالصاد) (٩)، وقرئ السراط؛ وقرئ بالزاي. قال الفراء: وهي لغة بني عذرة وبني كلب] (٨). لما تقدم الثناء على المسؤول ﵎ ناسب أن يعقب بالسؤال؛ كما قال: "فنصفها لي؛ ونصفها لعبدي؛ ولعبدي ما سأل". وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته [وحاجة إخوانه المؤمنين (بقوله) (١٠): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾(١١)] (٨)؛ لأنه أنجح للحاجة؛ وأنجع للإجابة؛ ولهذا أرشد الله إليه؛ لأنه الأكمل؛ وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه، كما قال موسى (﵇) (١٢): ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ
ص ١/ ٢٠٩
﴿فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] وقد يتقدمه مع ذلك وصف مسؤول؛ كقول ذي النون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول؛ كقول (١) الشاعر:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضه الثناء
والهداية ههنا: الإرشاد والتوفيق، وقد تتعدى الهداية بنفسها، كما هنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ فتضمن معنى ألهمنا أو وفقنا، أو أرزقنا أو أعطنا: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد] أي: بيِّنا له الخير والشر. وقد تُعدى بإلى؛ كقوله (تعالى) (٢): ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة؛ وكذلك قوله (تعالى) (٣): ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وقد تعدى باللام؛ كقول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣] أي: وفقنا لهذا، وجعلنا له (أهلا) (٤).
وأما الصراط المستقيم فقال الإمام أبو جعفر (٥) بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه؛ (وكذلك) (٦) في لغة جميع العرب؛ فمن ذلك قول جرير بن عطية الخطفي:
أمير المؤمنين على صراط … إذا اعوج الموارد مستقيم
قال: والشواهد على ذلك أكثر من أن (تحصر) (٧) قال: ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل ووصف باستقامة أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوج باعوجاجه.
ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله وللرسول؛ فروي أنه كتاب الله؛ قال ابن أبي (٨) حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني يحيى بن يمان، عن حمزة الزيات، عن سعد - وهو أبو المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "الصراط المستقيم كتاب الله".
وكذلك رواه ابن جرير من حديث حمزة بن حبيب الزيات، وقد [تقدم في فضائل القرآن فيما] (٩) رواه أحمد والترمذي، من رواية الحارث الأعور عن علي مرفوعًا؛ "وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم".
(٩) روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال- وقرأ عليه أبيّ بن كعب أم القرآن- فقال: «والذي نفسي بيده، ما أُنزل في التوراة، ولا في الانجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته».
فمن أسمائها: الفاتحة، لأنه يستفتح الكتاب بها تلاوة وكتابة. ومن أسمائها: أم القرآن، وأم الكتاب، لأنها أمت الكتاب بالتقدم. ومن أسمائها: السَّبع المثاني، وإنما سميت بذلك لما سنشرحه في (الحجر) إن شاء الله.
واختلف العلماء في نزولها على قولين: أحدهما: أنها مكية، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، والحسن، وأبي العالية، وقتادة، وأبي ميسرة. والثاني: أنها مدنية، وهو مرويّ عن أبي هريرة، ومجاهد، وعبيد بن عمير، وعطاء الخراساني. وعن ابن عباس كالقولين «١».
ص ١/ ١٨
فصل: فأما تفسيرها: ف الْحَمْدُ رفع بالابتداء، ولِلَّهِ الخبر. والمعنى: الحمد ثابت لله، ومستقرّ له، والجمهور على كسر لام «لله»، وضمها ابن [أبي] «١» عبلة، قال الفراء: هي لغة بعض بني ربيعة، وقرأ ابن السَّميفع «٢»: «الحمد» بنصب الدال «لله» بكسر اللام. وقرأ أبو نهيك بكسر الدال واللام جميعا.
واعلم أن الحمد: ثناء على المحمود، ويشاركه الشكر، إلا أن بينهما فرقاً، وهو: أن الحمد قد يقع ابتداء للثناء، والشكر لا يكون إلا في مقابلة النعمة، وقيل: لفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر، فتقديره: قولوا: الحمد لله. وقال ابن قتيبة: (الحمد) الثناء على الرجل بما فيه من كرم أو حسب أو شجاعة، وأشباه ذلك. والشكر: الثناء عليه بمعروف أو لاكه، وقد يوضع الحمد موضع الشكر. فيقال:
حمدته على معروفه عندي، كما يقال: شكرت له على شجاعته.
فأما «الرب» فهو المالك، ولا يذكر هذا الاسم في حق المخلوق إلا بالاضافة، فيقال: هذا رب الدار، ورب العبد. وقيل: هو مأخوذ من التربية. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: يقال: ربّ فلان صنيعته يربها رباً: إذا أتمها وأصلحها، فهو ربّ ورابٌ. قال الشاعر:
يربّ الذي يأتي من الخير إنه ... إذا سئل المعروف زاد وتمُّما
قال: والرب يقال على ثلاثة أوجه: أحدها: المالك. يقال: رب الدار. والثاني: المصلح، يقال: رب الشيء. والثالث: السيد المطاع. قال تعالى: فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً «٣».
والجمهور على خفض باء «ربِّ». وقرأ أبو العالية، وابن السّميفع، وعيسى بن عمر بنصبها. وقرأ أبو رزين العقيلي، والربيع بن خثيم «٤» وأبو عمران الجوني، برفعها.
فأما الْعالَمِينَ فجمع عالم، وهو عند أهل العربية: اسم للخلق من مبتداهم إلى منتهاهم، وقد سموا أهل الزمان الحاضر عالما. فقال الحطيئة:
أراح الله منك العالمينا «٥»
Editor's text
صحيح. أخرجه الترمذي ٣١٢٥ والنسائي ٢/ ١٣٩ وأحمد ٥/ ١١٤ وابن خزيمة ٥٠٠ وابن حبان ٧٧٥ وصححه الحاكم ١/ ٥٥٧ ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وأخرجه الترمذي ٢٨٧٥ والطبري ١٥٨٨٩ والبغوي ١١٨٣ من حديث أبي هريرة مطوّلا، وإسناده حسن. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ووافقه البغوي وعجزه، أخرجه البخاري ٤٧٠٤ من حديث أبي هريرة أيضا. وفي الباب من حديث أبي سعيد بن المعلى أخرجه البخاري ٤٤٧٤ و ٤٦٤٧ و ٤٧٠٣ و ٥٠٠٦ وأبو داود ١٤٥٨ وابن ماجة ٣٧٨٥ والطيالسي ٢/ ٩ وأحمد ٣/ ٢١١ و ٤٥٠ وابن حبّان ٧٧٧ والطبراني ٢٢/ ٣٠٣ والبيهقي ٢/ ٣٦٨ وانظر «فتح الباري» ٨/ ١٥٧.
Footnotes are the editor's words, not the author's.