تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
كقول فرعون للسحرة لما أسلموا: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ [الأعراف: ١٢٣] وكقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] وهو من باب البُهت والافتراء، ولهذا كان أبو جهل فرعون هذه الأمة.
وقال مالك بن أنس، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، أن رسول الله ﷺ قال: "ما رؤي إبليس يومًا هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر (١) ولا أغيظ من يوم عرفة، وذلك مما يرى من نزول الرحمة والعفو عن الذنوب إلا ما رأى يوم بدر" قالوا: يا رسول الله وما رأى يوم بدر؟ قال: "أما إنه رأى جبريل ﵇ يَزعُ (٢) الملائكة" (٣) وهذا مرسل من هذا الوجه.
وقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: لما دنا القوم بعضهم من بعض قلَّل الله المسلمين في أعين المشركين، وقلَّل المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون: غرّ هؤلاء دينهم، وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، فظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فقال الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤).
وقال قتادة: رأوا عصابة من المؤمنين تشددت لأمر الله، وذُكر لنا، أن أبا جهل عدو الله لما أشرف على محمد ﷺ وأصحابه، قال: والله لا يُعبد الله بعد اليوم قسوة وعتوًا (٥).
وقال ابن جريج في قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: هم قوم كانوا من المنافقين بمكة، قالوه يوم بدر (٦).
وقال عامر الشعبي: كان ناس من أهل مكة قد تكلموا بالإسلام، فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قِلَّة المسلمين، قالوا: غرّ هؤلاء دينهم (٧).
وقال مجاهد في قوله ﷿: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال: فئة من قريش، قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بن أُمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج، خرجوا مع قريش من مكة، وهم على الارتياب فحبسهم ارتيابهم، فلمَّا رأوا قِلَّة أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: غرّ هؤلاء دينهم حتى قدموا على ما قدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم (٨). وهكذا قال محمد بن إسحاق بن يسار سواء.