تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
وقال أبو داود (١): حدثنا عبد الأعلى بن حماد، حدّثنا عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال عبيد الله بن أبي زيد: مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل بيته، فدخلنا عليه، فإذا رجل رث البيت، رث الهيئة، فانتسبنا له، فقال: تجار كسبة (تجار كسبة) (٢) فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت، قال: يحسنه ما استطاع.
تفرد به أبو داود، فقد فهم من هذا أن السلف ﵃ إنما فهموا من التغني بالقرآن إنما هو تحسين الصوت به وتحزينه، كما قاله الأئمة ﵏.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه أبو داود (٣) حيث قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن طلحة، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ: "زينوا القرآن بأصواتكم".
وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث شعبة، عن طلحة وهو ابن مصرف، به.
وأخرجه النسائي من طرق أخرى عن طلحة وهذا إسناد جيد.
وقد وثق النسائي وابن حبان عبد الرحمن بن عوسجة هذا. ونقل الأزدي عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: سألت عنه بالمدينة فلم أرهم يحمدونه.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (٤): حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث "زينوا القرآن بأصواتكم".
قال أبو عبيد: وإنما كره أيوب فيما نرى أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ في الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدث به.
(قلت): ثم إن شعبة ﵀، روى الحديث متوكلًا على الله كما روي له، ولو ترك كل حديث يتأوله مبطل لترك من السنة شيء كثير، بل قد تطرقوا إلى تأويل آيات كثيرة من القرآن وحملوها