بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
الْأَثَرَانِ كِلَاهُمَا قَالَ: لَيْسَ فِيهِ فِطْرٌ أَصْلًا، وَمَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ ثَوْبَانَ وَرَجَّحَهُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْجَبَ الْفِطْرَ مِنَ الْقَيْءِ بِإِطْلَاقٍ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَسْتَقِيءَ أَوْ لَا يَسْتَقِيءَ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَقَالَ: حَدِيثُ ثَوْبَانَ مُجْمَلٌ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُفَسَّرٌ، وَالْوَاجِبُ حَمْلُ الْمُجْمَلِ عَلَى الْمُفَسَّرِ فَرَّقَ بَيْنَ الْقَيْءِ وَالِاسْتِقَاءِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ).
أما حديث ثوبان -الذي رواه الترمذي وغيره (١) - ففيه أنه ﷺ قاء فأفطر، وهذا فيه شيءٌ من الإجمال فهل تعمد القيء أو خرج منه القيء دون تعمد؟ إذًا؛ هذا الحديث فيه شيءٌ من الإجمال.
وأما حديث أبي هريرة -الذي رواه أحمد (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤)، وغيرهم (٥) - فقد جاء برواياتٍ متعددةٍ، لكن أشهرها: "من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء" (٦)، واختلف العلماء فيه صحةً وضعفًا (٧).
ولا شكَّ أنه حديث يجمع بين الحكمين، قوله: (ذرعه) يعني: غلبه، ولا يفطر بذلك؛ لِأَنَّ هذا شيءٌ خارج عن إرادته، فهو أشبه بالناسي، وأما (من استقاء)؛ أي: تعمد ذلك، فإنه يفطر.
وهذا هو القول الذي تلتقي عنده الأدلة، وهو قول جماهير العلماء -كما ذكر المؤلِّف- وهو القول الصحيحُ، ولا يُلتفت إلى غيره.