Skip to content

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Printed page ١/ ٣٦٧

معروفًا، وما ينهى عنه تشهدُ قبحَه وكونَه منكرًا، وما يُحِلُّه تشهد كونَه طيِّبًا، وما يُحرِّمه تشهد كونَه خبيثًا. وهذه دعوة الرُّسل. وهي بخلاف دعوة المبطلين والكاذبين والسَّحَرة، فإنّهم يدعون إلى ما يوافق أهواءهم وأغراضهم من كلِّ قبيحٍ ومنكرٍ وبغيٍ وظلمٍ.

ولهذا قيل لبعض الأعراب ــ وقد أسلم لمّا عرف دعوته ﷺ ــ: عن أيِّ شيءٍ أسلمت؟ وما رأيتَ منه ممّا دلَّكَ على أنّه رسول الله؟ قال: ما أمرَ بشيءٍ، فقال العقل: ليته نهى عنه! ولا نهى عن شيءٍ، فقال العقل: ليته أمر به! ولا أحلَّ شيئًا، فقال العقل: ليته حرَّمه! ولا حرَّم شيئًا، فقال العقل: ليته أباحه! (١). فانظر إلى هذا الأعرابيِّ، وصحّةِ عقله وفطرته، وقوّةِ إيمانه، واستدلاله على صحّة دعوته بمطابقة أمره لكلِّ ما هو حسنٌ في العقل، ومطابقة نهيه لما هو قبيحٌ في العقل. وكذلك مطابقة تحليله وتحريمه. ولو كان جهةُ الحسن والقبح والطِّيب والخبث مجرَّدَ تعلُّقِ الأمر والنَّهي والإباحة والتّحريم به لم يحسُن منه هذا الجواب، ولكان بمنزلة أن يقول: وجدته يأمر وينهى، ويُبيح ويحرِّم! وأيُّ دليلٍ في هذا؟

وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠].