Skip to content

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Printed page ٣/ ٥٤١

أحدهما: أنّ ملاحظة عينِ الجمع يُفيد صاحبَه مطالعةَ السّوابق التي ابتدأه الله بها، فيفيده ملاحظةُ عينِ الجمع نظرةً إلى أوّليّة الرّبِّ تعالى في كلِّ شيءٍ.

ويحتمل أن يريد بالبدايات بدايات سلوكه، وحدّة طلبه. فإنّه في حال سلوكه لا يلتفت إلى ما وراءه، لشدّة شغله بما بين يديه، وغلبةِ أحكام الهمّة عليه، فلا يتفرّغ لمطالعة بداياته. فإذا لاحظ عينَ الجمع قطعَ السُّلوك الأوّل، وبقي له سلوكٌ ثانٍ. فتفرّغَ (١) حينئذٍ إلى مطالعة بداياته، ووجدَ اشتياقًا إليها.

كما قال الجنيد ﵀: واشوقًا إلى أوقات البداية (٢). يعني لذّة أوقات البداية، وجمع الهمّة على الطّلب، والسّير إلى الله. فإنّه كان مجموعَ الهمّة على السّير والطّلب، فلمّا لاحظ عين الجمع فنيتْ رسومه، وهو لا يمكنه الفناء عن بشريّته وأحكام طبيعته. فتقاضَتْه طباعُه ما فيها، فلزِمتْه الكُلَف، فارتاح إلى أوقات البدايات، لِما كان فيها من لذّة الإعراض عن الخلق واجتماع الهمّة.

ومرّ أبو بكرٍ ﵁ على رجلٍ وهو يبكي من خشية الله، فقال: هكذا كنّا حتّى قَسَتْ قلوبنا (٣).

وقد أخبر النّبيُّ ﷺ أنّ لكلِّ عاملٍ شِرّةً، ولكلِّ شِرّةٍ فَتْرة (٤).